الأدلة الاجتهادية إبراهيم بن أحمد بن سليمان الكندي

الأدلة الإجتهادية

الجزء ١ · صفحة ٩٠

وروى عن ابن مسعود مثل تلك الآثار (1)، فهذه الآثار عن كبار الصحابة في إنكار القياس والعمل به، ولم يعارضهم أحد فيها، فكان إجماعاً من الصحابة على أن العمل بالقياس منهي عنه.

وأجيب عنها بأن هذه الروايات معارضة بآثار أخرى عن هؤلاء الصحابة بالذات مقتضاها أنهم عملوا بالقياس ومدحوا العمل به، كما سيعلم في أدلة الجمهور وحينئذ لا بد من التوفيق والجمع بين المتعارضين، وذلك بحمل الذم على القياس الفاسد الذي لم تتوفر فيه شرائط الصحة كالقياس المخالف للنص أو الصادر عمن ليس أهلاً للاجتهاد والنظر، أو المستعمل فيما لا يجري فيه القياس كتفسير القرآن الكريم، ويحمل المدح على القياس الصحيح المستكمل لشروط الاعتبار والصحة، وذلك جمعاً بين النقلين المتعارضين، إذا ثبتت صحة كل منهما - المعقول: وهو أن القياس يؤدي إلى التنازع والاختلاف بين المجتهدين، كما هو الثابت بالاستقراء الجزئيات الاجتهاد، ولأن القياس ينبني على أمارات ومقدمات ظنية، والظنون مثار اختلاف الأفهام والأنظار، وحينئذ فيكون القياس ممنوعاً، لأن الله سبحانه نهى عن التنازع بقوله: " ولا تنازعوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ (3)

"

(2)

والجواب عن هذا من وجهين، أحدهما: جواب إلزامي، والثاني: هدم تفصيلي الوجه الأول: أن هذا الدليل بعينه يجري في كل دليل يوجب الظن كخبر الواحد والدليل الفلسفي أو العقلي، فيلزم منه أن يكون العمل بخبر الواحد أو الدليل العقلي منهياً عنه، وهذا لا يقول به أحد، والمانعون للقياس هم أنفسهم يقبلون خبر الواحد. الوجه الثاني: إن التنازع الذي تنهى عنه الشريعة: هو ما كان في العقائد وأصول الدين أو في الأمور العامة كسياسة الدولة وشئون الحرب، بقرينة قوله سبحانه:

(1) (الإحكام» لابن حزم (2/ 780، 786 وما بعدها)، (ملخص إبطال القياس، (55 وما بعدها)، و إعلام الموقعين) (53/ 1 - 60)، و (روضة الناظر) (2/ 240 وما بعدها)، و مجمع الزوائد: (179/ 1 - 180)، و تلخيص الحبير) (4/ 195) (2) راجع الموافقات) للشاطبي (421/ 3) وما بعدها)، و إعلام الموقعين» (66/ 1 وما بعدها)، و أصول السرخسي) (2/ 132 وما بعدها). (3) سورة الأنفال، الآية: 46.