الأدلة الاجتهادية إبراهيم بن أحمد بن سليمان الكندي

الأدلة الإجتهادية

الجزء ١ · صفحة ٩١

فتفشلوا وتذهب ريحكم) أي قوتكم، وقوله تعالى: (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا)، فهذا التحذير لما يترتب عليه من خطورة، وهو التنازع في أصل العقائد، أو فيما يتصل بكيان الأمة أمام عدوها، أما التنازع في الأحكام الشرعية العملية الجزئية فلا مانع من حصوله، إذ لا يترتب عليه مفسدة، بل قد يكون رحمة وتوسعة من الله على عباده، ولذا جاء في الأثر: (اختلاف أمتي رحمة) (1)

ومن الأدلة العقلية التي استندوا إليها: أن القياس نوع من الظن، والظن ممنوع عقلاً، لأنه يحتمل الخطأ والخطأ محظور، وكل محظور يوجب العقل التحرز عنه، فالقياس لا يجوز عقلاً.

ورد هذا الكلام بأن الظن الممنوع عقلاً هو الذي لا يغلب جانب الصواب فيه بأن يكون غير صواب أصلاً، أو الصواب فيه مرجوح، أما الظن الذي يترجح فيه جانب الصواب فليس محظوراً، بل يترجح العمل بموجبه بمقتضى العقل، ولا يشترط دائماً أن نتيقن من المنافع وإلا لتعطل كثير من المصالح، فالزراعة والتجارة والصناعة كلها مظنونة الربح، وليست يقينية الإنتاج.

واستدلوا أيضاً بأنه لا حاجة إلى القياس، لأن نصوص الشرع في الكتاب والسنة كافية، فقد نص على الواجب والحرام والمندوب والمكروه، وما لم ينص عليه فهو مباح، لأن الأصل في الأشياء الإباحة، لقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جميعًا) (2)، وحينئذ فلا حاجة للقياس، لأن الله سبحانه نص على حكم الأمور، والقياس يثبت فيما لم ينص عليه. ورد هذا الكلام أيضاً بأن التمسك بمقتضى الإباحة الأصلية، إنما يصح إذا لم يتأت الظن الراجح بوجوب أو حرمة، والظن الراجح بهما يتأتى بالقياس، ووجود

(1) قال السيوطي في (الجامع الصغير»: ذكره نصر المقدسي في (الحجة)، والبيهقي في الرسالة الأشعرية، بغير سند، وأورده الحلبي والقاضي حسين وإمام الحرمين وغيرهم. ولعله خرج في بعض كتب الحفاظ التي لم تصل إلينا، وقال الشيخ محمد ابن السيد درويش الشهير بالحوت البيروتي: (زعم كثير من العلماء أنه لا أصل له»، ذكره كثير من أهل الفقه بدون سند كإمام الحرمين والحليمي، وأسنده في الفردوس عن ابن عباس مرفوعاً بلفظ: «اختلاف أصحابي لكم رحمة).

(2) سورة البقرة، الآية: 29.

91