الأدلة الاجتهادية إبراهيم بن أحمد بن سليمان الكندي

الأدلة الإجتهادية

الجزء ١ · صفحة ٩٢

الظن كما عرفنا لا يقدح في حجية القياس، لأن الأحكام العملية يقبل فيها الدليل الظني كخبر الآحاد، وهم بذلك مسلمون.

دليل النظام على إنكار القياس:

استدل النظام على أنه يستحيل التعبد بالقياس عقلاً بأن العقل يوجب إعطاء المتماثلات حكماً واحداً، والمختلفات أحكاماً مختلفة، ولكن الشارع قد فرق بين المتماثلات في الأحكام، وجمع بين المختلفات وشرع أحكاماً لا مجال للعقل فيها. وذلك كله ينافي مقتضى القياس، لأن مدار القياس على إبداء العلة وعلى إلحاق صورة بصورة أخرى تماثلها في العلة، وأيضاً فإن القياس يقضي بالتفريق بين المحتلفات، وبه يتبين ألا مجال للقياس في الشرع لتناقض مضمونها، وأن القياس مضاد للشريعة (1)

أما بيان منهج الشارع في المخالفة والتفريق بين المتماثلات: فهو أنه قد فرق بين الأزمنة في الشرف والفضل، ففضل ليلة القدر والأشهر الحرم على غيرها وفرق الشارع أيضاً بين الصلوات في مسألة القصر في الصلاة الرباعية دون الثنائية أو الثلاثية، مع أن الصلوات متماثلة، وكذلك أوجب قضاء الصوم على الحائض. ولم يوجب عليها قضاء الصلاة، أن كلا منهما عبادة.

وأما بيان منهج الشارع في الجمع والاتحاد بين المتخالفات: فهو أنه جعل التراب في التيمم موجباً للطهارة للصلاة كالماء تماماً عند عدم الماء أو المرض، مع أن الماء ينظف الأعضاء والتراب يلوثها

وأما أن الشارع شرع أحكاماً لا مجال للعقل فيها، فهو أنه أباح النظر إلى الأمة الحسناء، وحرمه وألزمنا بغض النظر بالنسبة للحرة الشوهاء أو العجوز القبيحة المنظر. مع أن النفس تميل إلى الأولى وتنفر من الثانية، وأوجب المشرع قطع اليد في سرقة القليل، ولم يوجبه في غصب الكثير، وأوجب الجلد على من قذف غيره بالزني، ولم يوجبه على من قذف غيره بالكفر، مع أن الكفر أشد وأعظم، وشرط في شهادة الزنى أربعة شهود عدول أنه اكتفى في الشهادة على القتل باثنين فقط، مع كون القتل أغلظ من الزنى، وغيرها مما ذكر من فروع الفقه

،

(1) - القياس، لابن تيمية وابن القيم (54)، و إعلام الموقعين» (2/ 52)، و شرح الإسنوي» (25/ 3)، و الإبهاج) (2/ 13) وما بعدها، و شرح العضد على مختصر المنتهى: (249/ 2).

92