الأدلة الاجتهادية إبراهيم بن أحمد بن سليمان الكندي

الأدلة الإجتهادية

الجزء ١ · صفحة ٩٣

ويرد هذا الدليل بأن القياس إنما يجب العمل به عند معرفة العلة الجامعة بين الأصل والفرع، مع عدم وجود المعارض لثبوت الحكم في الفرع، وعندئذ يصير الأصل والفرع متماثلين من هذه الناحية ويعطى لهما حكم واحد، والقياس دائماً شأنه كذلك، فلا يفرق بين المتماثلات بل يجمع بينهما (1)

أما عند عدم وجود العلة الجامعة بين الأصل والفرع أو وجود المعارض، فإن الأصل والفرع يكونان متخالفين من هذه الجهة، ويعطى لكل منهما حكم يناسبه، حتى ولو كانا متماثلين في الظاهر، وامتناع القياس في صور معدودة لا يفضي إلى امتناعه من أصله.

وفي الجملة: إن القياس يجمع بين المتماثلات بحسب الواقع، وإن كانت متخالفة باعتبار الظاهر، ويفرق بين المختلفات بحسب الواقع، وإن كانت متماثلة باعتبار الظاهر

والشارع اعتبر هذا المبدأ في كل ما شرع، وأما ما أورده النظام من الصور فهو نادر. والنادر لا يحكم به على الكثير الغالب، وإن التفريق بين المتماثلين يجوز أن يحصل لعدم وجود العلة الجامعة بينهما أو لوجود معارض، وكذلك الجمع بين المختلفين يجوز أن يحصل لاشتراكهما في معنى جامع بينهما.

والخلاصة: أن كلام النظام إما مبني على مراعاة الظاهر في التماثل أو الاختلاف، أو على حالات نادرة، أو لعدم وجود العلة الجامعة بين أمرين، مع أنهما متماثلان في الحكم، فليس كل متماثلين يكونان كذلك من كل وجه، بل يجوز التفرقة بينهما في وجه من الوجوه مثلاً، وليس الجمع بين المختلفين واقعاً، فإن الطهارة في التراب مثلاً حكمية، وليست حسية.

إلى هنا انتهى عرض أدلة المنكرين للقياس، ومنها يظهر أنها راجعة إلى مراعاة مبدأ آخر: ألا وهو التمسك بظاهر النصوص، فإنهم يقصرون بيان النصوص على العبارة وحدها، ولا يتجاوزونها إلى غيرها، أما الجمهور فإنهم أخذوا بمبدأ تعليل، ووسعوا معنى دلالالتها فقالوا: إن الدلالة على الأحكام تكون

النصوص

(2)

(1) انظر المراجع السابقة: (القياس في الشرع الإسلامي» لابن القيم (56) وما بعدها،

•

و «الإحكام» للآمدي (69/ 3)، و (شرح الإسنوي، (3/ 25) (2) (فواتح الرحموت، (2/ 293) وما بعدها، (أصول السرخسي) (144/ 2) وما بعدها.

93