الأدلة الإجتهادية
الجزء ١ · صفحة ٩٤بألفاظ النصوص، وبالدلائل العامة التي تبينها مقاصد الشريعة في جملة نصوصها وعامة أحوالها، فنص آية: (إنما الخمر) يدل على تحريم الخمر بالعبارة، وفيه دلائل تشير إلى أن كل ما فيه ضرر غالب يكون حراماً، بدليل آية: (قل فيهما إثم كبير و منافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما، وحينئذ يكون القياس في الحقيقة إعمالاً للنص وليس خروجاً عن النص كما يدعي منكروه، فالخلاف راجع إذن إلى مسألة تعليل النصوص وعدم تعليلها.
وقد أحسن الشهرستاني في رده على داود الأصفهاني الذي أنكر القياس قائلاً: إن أول من قاس إبليس، وعبارته هي: «لقد ظن أن القياس أمر خارج عن مضمون الكتاب والسنة، ولم يدر أنه طلب حكم الشرع من مناهج الشرع، ولم تنضبط قط شريعة من الشرائع إلا باقتران الاجتهاد بها، لأن من ضرورة الانتشار في العالم الحكم بأن الاجتهاد معتبر، وقد رأينا الصحابة - رضي الله عنهم - كيف اجتهدوا، وكم قاسوا خصوصاً في مسائل المواريث كتوريث الإخوة مع الجد، وكيفية توريث الكلالة، وذلك مما لا يخفى على المتدبر لأحوالهم قال الشيخ محمد أبو زهرة: وفي الحق أن تفاة القياس قد أخطأوا إذ تركوا تعليل فقد أداهم إهمالهم إلى أن قرروا أحكاماً تنفيها بدائه العقول، فقد قرروا أن بول الآدمي نجس للنص عليه، وبول الخنزير طاهر لعدم النص عليه، وأن لعاب الكلب نجس، وبوله طاهر، ولو اتجهوا إلى قليل من الفهم لفقهوا النص، ولما وقعوا مناقضة البدهيات على ذلك النحو (2)
النصوص
في
(1)
وسيتضح هذا وضوحاً ظاهراً عند سرد أدلة الجمهور.
أدلة مثبتي القياس:
استدل الجمهور على حجية القياس بأدلة نقلية وعقلية: أما دليلهم على أن القياس جائز عقلاً لا واجب فهو: أنه لا يترتب على افتراض التعبد به محال، وكل ما كان كذلك كان جائزاً عقلاً، فلو قال الشارع: لا يقضي القاضي وهو غضبان، لأن الغضب يوجب اضطراب الرأي والفهم، فيجوز أن يقاس على الغضب ما كان في معناه كالجوع والعطش والإعياء المفرط
(1): الملل والنحل) (206/ 1)
(2) و أصول الفقه» لأستاذنا الشيخ محمد أبو زهرة (217).
94