الأدلة الإجتهادية
الجزء ١ · صفحة ٩٥وأما أدلتهم التفصيلية على الوجوب الشرعي فتتلخص في أربعة (1):
1 - الكتاب: قال تعالى: {فاعتبروا يا أولي الأبصار * فالله سبحانه في سورة الحشر قص علينا ما حل ببني النضير جزاء كفرهم وكيدهم لرسول الله والمؤمنين. كما يشير إليه أول الآية: هو الذي أخرج الذين كفروا .... الآية، ثم أعقب هذا بقوله يکن: فاعتبروا * أي تأملوا فيما نزل بهؤلاء من العقاب، وسبب العقاب، واحذروا أن تفعلوا مثل فعلهم، فتعاقبوا بمثل عقوبتهم، فما جرى على المثيل، يجري على مثيله. مما يدل على أن المسببات تابعة لأسبابها، فحيثما وجدت الأسباب ترتبت عليها مسبباتها، والقياس بهذا المعنى، فهو ترتيب المسبب على سببه، أينما وجد السبب
وبعبارة أخرى، هي أن الله سبحانه وتعالى أمرنا بالاعتبار، ومعنى الاعتبار هو العبور والمجاوزة والانتقال من الشيء إلى غيره، والقياس أيضاً مجاوزة بالحكم من الأصل إلى الفرع فيكون مأموراً به، والمأمور به يجب العمل به، لأن كلاً من الاعتبار والقياس يشتركان في معنى العبور - أي المرور - والمجاوزة، فيقال: جزت على كذا - أي عبرت عليه -، وعبر الرؤيا، جاوزها إلى ما يلازمها.
وقد اعترض على هذا الاستدلال بأن المراد بالاعتبار في فاعتبروا الاتعاظ. وليس القياس، لأن الأول متبادر إلى الفهم عند إطلاق الفهم، ولأنه مرتب على قوله سبحانه: و هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجُوا وظَنُّوا أَنَّهُم ما نعتهم خصونهم من الله فأتاهُمُ اللهُ من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يُخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أُولي الأبصار) (2)، فليس المراد من قوله: فاعتبروا} القياس الشرعي، إذ إنه لا يناسب صدر الآية، لأن معنى الآية يصبح حينئذ: يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، فقيسوا مثلاً الذرة على البر في تحريم الزيادة الربوية، وفي هذا غاية الركاكة فيصان كلام الباري عنه.
"
(1) راجع مثلاً (كشف الأسرار) (995/ 2)، و التوضيح شرح التنقيح، (2/ 54). وأصول السرخسي» (129/ 2) وما بعدها، و الإحكام للآمدي (76/ 3) وما بعدها. و فواتح الرحموت) (312/ 2)، و (مرآة الأصول) (478/ 2)، وا شرح الأسنوي: (3/ 12 - 18)، و (إرشاد الفحول» (176) وما بعدها، ومحاضرات الزفزاف، (12)
وما بعدها.
(2) سورة الحشر، الآية: 2
95