الأدلة الاجتهادية إبراهيم بن أحمد بن سليمان الكندي

الأدلة الإجتهادية

الجزء ١ · صفحة ٩٦

قال ابن حزم في كتابه " إبطال القياس والرأي والاستحسان والتقليد والتعليل»: فأما قوله تعالى: فاعتبروا * فلم يفهم أحد قط أن معنى (اعتبروا): قيسوا، والآية جاءت بعقب قوله: * يخربون بيوتهم * فلو كان معناه: (قيسوا) لكان أمراً لنا بأن نخرب بيوتنا كما خربوا بيوتهم إلخ … وقال في الأحكام: «وما علم أحد قط في اللغة التي نزل بها القرآن أن الاعتبار هو القياس، وإنما أمرنا الله تعالى أن نتفكر في عظيم قدرته في خلق السموات والأرض، وما حل بالعصاة … ».

وأجيب عن هذا الاعتراض بأن المراد من (اعتبروا (ليس الاتعاظ فقط، وإنما مطلق الاعتبار الذي يكون القياس الشرعي جزءاً من جزئياته وفرداً من أفراده، وهذا المعنى يناسب صدر الآية ولا ركاكة فيه، إذ يكون معنى الآية يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، فقيسوا الأمور بأشباهها يا أولي الأبصار، فالمقصود من الآية إذن هو تقرير سنة عامة من سنن الله في خلقه وهي أن كل ما جرى على النظير يجري على

نظيره.

وأما ركاكة التعبير التي لاحظناها في توجيه الاعتراض فمنشؤها الإتيان بفرد من أفراد الاعتبار وهو القياس بخصوصه، وهو لا يتأتى عند تقدير الكلام بالمعنى الأعم أو المطلق للاعتبار، فإن من سئل عن مسألة فأجاب بما لا يتناولها فإن جوابه يكون باطلاً. أما لو أجاب بما يتناولها ويتناول غيرها فإن جوابه يكون حسناً.

ويؤكد دلالة هذه الآية على حجية القياس آيات كثيرة تقرن الحكم بعلته، مما يثبت أن أحكام الشارع معللة بالمصالح، مرتبطة بالأسباب، مثل قوله سبحانه في بيان حكمة القصاص: {ولكم في القصاص حياة، وقوله في المحيض: قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض، وقوله في إباحة التيمم: ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج، وقوله في تحريم الخمر والميسر: {إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم

منتهون به.

كل هذا ونحوه من تعليل النصوص والأحكام، يدل على أن الحكم يوجد مع سببه، وهو معنى القياس حيث لا يوجد نص، فيجب أن نقيس، وإلا كانت الأوامر كلها تعبدية، وهذا غير ثابت.

•

2 - السنة: وهو أنه قد ورد ما يدل على ثبوت العمل بالقياس حتى وصلت

?