الدلالات وطرق الاستنباط
الجزء ١ · صفحة ١١٣الأول، الحس أو المشاهدة: أي الإدراك بالحواس: وهو أن يرد الشرع
بنص عام، يدرك الحس اختصاصه ببعض ما يشتمل عليه العموم، فيكون ذلك مخصصاً للعموم، مثل قوله تعالى في صفة الريح العقيم: تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رتبا) (1) فنحن ندرك بالحس أنها لم تدمر السماء والأرض مع أشياء كثيرة، كالكواكب، فكان الحس مخصصاً ذلك العموم، وعند التحقيق نجد الآية عامة أريد بها الخصوص، لأنها جاءت في موضع آخر مقيدة بأن التدمير خاص بما أتت عليه وهو قوله عز وجل: ولا يَأْتِيهِ الْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلُ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) (2).
ومثل قوله تعالى حكاية عن الهدهد في قصة بلقيس ملكة سبأ: {وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ (3) وقد خص ذلك بالحس، لأن ما كان في يد سليمان لم
يكن في يدها.
والتحقيق أن المخصص في مثل هذا المقام إنما هو العقل وإن الحس
واسطة الإدراك وإنما نسب إليه التخصيص تقريباً للأفهام (4).
الثاني: العقل: كالنصوص العامة الواردة بتكاليف شرعية من غير تخصيص فإنها تخص بمن هو أهل للتكليف غير الصبي والمجنون مثلاً، مثل قوله تعالى: الوَلِله عَلَى النَّاسِ حج البيت ((5) و ياأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ((6)
(1) ،
فإن هذا الخطاب يتناول بعمومه من لا يفهم من الناس كالصبي والمجنون، لكنه خرج بدليل العقل، فكان مخصصاً للعموم الذي ورد به.
(1) سورة الأحقاف، الآية: 20. (2) سورة الذاريات، الآية: 42. (3) سورة النمل، الآية: 23. (4) طلعة الشمس، ج 1، ص 166. (5) سورة آل عمران الآية: 97. (6) سروة البقرة، الآية: 21.
113