الدلالات وطرق الاستنباط
الجزء ١ · صفحة ١٢٣فإن الفصل بهذه الأشياء ونحوها لا يعد تراخياً لأنه في حكم المتصل إذ لم يمفصل باختيار.
والدليل على وجوب مراعاة ذلك مطلقاً هي أنه لو صح تراخيه لما جاز لنا أن نقطع بمضمون جملة أصلاً ولما قال - - من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير (1)، لأن الاستثناء أسهل من التكفير، وكذلك جميع الإقرارات والطلاق والعتق ولأنه يؤدي إلى أن لا يُعلم صدق ولا كذب.
قال صاحب المنهاج وقد روي أن أبا حنيفة دخل على بعض الخلفاء فأراد الحاجب أن يرفع عليه فقال يا أمير المؤمنين هذا الذي يخالف جدك يعني ابن عباس لأن أبا حنيفة يمنع من صحة تراخي الاستثناء فقال أبو حنيفة يا أمير المؤمنين هذا الذي يزعم أنه لا تنعقد لك بيعة في عنق أحد أصلاً يريد أبو حنيفة أنه لو صح التراخي لجاز لمن بايع أمامه أن يستثني بعد انصرافه فيؤدي ذلك إلى أنه لا يستقر عهد ولا عقد وما أدى إلى ذلك فهو باطل.
وذهبت طائفة العلماء إلى جواز النطق بالاستثناء المتصل متراخياً عن من لفظ العموم على خلاف بينهم في المدة التي يجوز التراخي فيها، فعند هؤلاء لو نطق المتكلم بلفظ العموم بالاستثناء بعد فترة من تلفظه بالعموم لنفعه ذلك على خلال بينهم في تلك الفترة، فمن قائل إلى شهر، ومن قائل إلى سنة،
ومنهم من يقول إلى مدى العمر.
ودليلهم على ما ذهبوا إليه أمور:
أحدهما: قوله - صلى الله عليه وسلم - والله لأغزون قريشاً ثم سكت، وقال بعده إن
شاء الله.
(1) أخرجه البخاري ومسلم.
123