الدلالات وطرق الاستنباط
الجزء ١ · صفحة ١٢٦الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم سمومهما إلا ما حملت ظهورُهُما أَوِ الْحَوَايَا أَو مَا اخْتَلَطَ يعظم (1) فخرج بهذا الاستثناء أكثر الشحوم كما ترى وأيضاً فإن فقهاء الأمصار مجمعون على
أنه لو قال قائل عليّ له عشرة إلا تسعة لم يلزمه إلا درهم ولو لا ظهوره لما
اتفقوا عليه عادة.
احتج المانعون بدليلين:
أحدهما: إن القياس منع الاستثناء مطلقاً لأنه يقتضي تكذيب الجملة الأولى ووجهه أنك إذا قلت على له عشرة ثم قلت إلا درهماً كان إطلاقك لفظ العشرة على التسعة كذباً أو مخالفة للوضع فالقياس منع الاستثناء رأساً لتأديته إما إلى كذب الجملة الأولى أو إلى مخالفة للوضع، فالقياس منع الاستثناء رأساً لتأديته إما إلى كذب الجملة الأولى أو إلى مخالفة الوضع العربي فإذا كان ذلك هو القياس لم يصح منه إلا ما قام الدليل القاطع على جوازه ولا دليل على جوازه إلا الإجماع ولا إجماع إلا على استثناء الأقل فوجب الاقتصار
عليه.
وثانيهما: إن قول القائل عشرة إلا تسعة ونصف وثلث درهم مستسمج في اللغة ركيك جداً.
وأجيب عن الاحتجاج الأول: بأنا لا نسلم أن القياس منع الاستثناء رأساً لأن الإخراج إنما وقع قبل الإسناد لا بعد حصول الإسناد سلمنا أن القياس منع الاستثناء فالدليل جوازه وهو استعمال العرب إياه في مجاري لغتهم وإذا جاز استثناء الأقل جاز استثناء الأكثر لأن المانع من الأكثر بعينه حاصل في الأصل، فإذا لم يمنعه لم يمنع الأكثر قياساً، ثم إن وروده في القرآن والسنة أوفى دليل
على صحته.
(1) سورة الأنعام، الآية: 146.
126