الدلالات وطرق الاستنباط
الجزء ١ · صفحة ١٩بعده مطلقاً فإنه حينئذ يعمل به على تقييده ويبقى مقيداً حتى يرد دليل يلغي ذلك القيد، ومثاله قوله تعالى في كفارة الظهار: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسا) (1) ورد الصيام مقيداً بتتابع الشهرين وبكونه قبل العودة إلى التماس والاستمتاع بالزوجة التي ظاهر منها فيعمل به على تقييده بهذين القيدين فلا يجزيء في كفارة الظهار تفريق الصيام، كما لا يجزيء كونه بعد الاستمتاع بالزوجة، وإن كان متتابعاً.
ومثال ما دل الدليل على إلغاء القيد الذي قيد به المطلق قوله تعالى: و وربببكم التي في حُجُورِكُم مِّن نِّسَا بكم التي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دخلتُم بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ) (2) فإنه لا يعمل بالقيد الذي هو اشتراط كون الربائب في الحجور أي في حجور أزواج أمهاتهن أي في رعايتهم وتربيتهم، وإنما ذكر في الآية بناءً على العرف الغالب من أحوال الناس، وهو كون الربيبة غالباً مع أمها في بيت الزوج، ومقتضاه حرمة الربيبة على زوج أمها ولو كانت في غير بيته لإلغاء هذا القيد، بدليل أن الله تعالى اكتفى في مقام التحليل بنفي القيد الثاني فقط، فقال: {فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ (3) ولم يتعرض لنفي الأول وهو وجود الربيبة في حجر
الزوج.
يصح
والخلاصة: أنه يعمل بالمقيد على تقييده حتى يثبت إلغاء القيد، فلا
العدول إلى الإطلاق إلا بقيام دليل يدل على ترك التقييد.
هـ ـ حمل المطلق على المقيد وصوره وآراء العلماء في ذلك وأدلتهم: معنى حمل المطلق على المقيد تقييد المطلق بالمقيد وجعله بياناً له بأن
(1) سورة المجادلة، الآية: 4.
(2) سورة النساء، الآية: 23.
(3) سورة النساء، الآية: 23.
19