الدلالات وطرق الاستنباط إبراهيم بن أحمد بن سليمان الكندي

الدلالات وطرق الاستنباط

الجزء ١ · صفحة ١٩٦

3 - إن المجاز يحصل به التلطف في الكلام بخلاف الحقيقة، وذلك نحو المسك موجه الذهب لفحم فيه جمر موقد فيفيد لذة استعارة بحر من

4

-

-

-

6

تخييلية وزيادة شوق إلى إدراك معناه فيوجب سرعة التفهم بخلاف قولك

فحم عليه جمر.

إن التعبير بالمجاز يكون فيه زيادة بيان عن التعبير بالحقيقة، فإن قولك رأيت أسداً أبين في الدلالة على الشجاعة من قولك رأيت رجلاً شجاعاً ومثله قولك: ظللتني من الشمس شمس أبين في الدلالة على الجمال من قولك ظللتني من الشمس امرأة جميلة لأن ذكر الملزوم دعوى بالبينة، واستعمال الحقيقة دعوى بلا بينة وأيضاً فمطابقة اللفظ لتأدية تمام المراد إنما يحصل بالمجاز دون الحقيقة لأن الألفاظ الحقيقية متساوية في الدلالة عند العلم بالوضع وعدمها عند عدمه، وإنما يمكن بالدلالات العقلية والألفاظ المجازية لاختلاف مراتب اللزوم في الوضوح والخفاء فإذا قصد مطابقة تمام المراد وتأدية المعنى بالعبارات المختلفة في

الوضوح يعدل عن الحقيقة إلى المجاز ليتيسر ذلك.

إن المجاز يتيسر به اختراع المعاني اللطيفة والنكت البديعة الظريفة فمن ذلك التعظيم كاستعارة أبي سعيد لرجل عالم فإنه يدل على كثرة علمه فيحصل تعظيمه بذلك، ومن ذلك أيضاً التحقير كاستعارة الهمج وهو صغار الذباب للجهال من الناس، ومن ذلك أيضاً ترغيب السامع كاستعارة ماء الحياة لشيء من المشروبات ومن ذلك أيضاً تنفير السامع كاستعارة السم لشيء من المطعومات.

إن الحقيقة قد تكون وحشية تمجها الأسمع كالخنفقيق على الداهية أو الجيد الرأي، فيعدل عنها إلى المجاز لعذوبته فيعبر عنها بلفظ الداهية، ومنها أن التلفظ بالحقيقة قد يكون مستسمجاً يكرهه السامع فيعدل عنها إلى المجاز لنزاهته، وذلك نحو قوله تعالى: {لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقَمُ

196