الدلالات وطرق الاستنباط إبراهيم بن أحمد بن سليمان الكندي

الدلالات وطرق الاستنباط

الجزء ١ · صفحة ٢١٦

والدليل على أن الفاء للتعقيب هو أنه يجب أن يربط جزاء الشرط بها،

لأن الجزاء يعقب الشرط، فلا يدخل فيه إلا لفظ يفيد التعقيب، مثل: (إن قام زيد فعمرو (قائم فإن الجزاء كما قلت يجب أن يوجد عقب الشرط، فلو لم تكن الفاء مناسبة لهذا المعنى مفيدة للتعقيب لم يجب دخولها عليه كالواو وثم، فإنه لا يجب بل يجوز، ووجوب دخول الفاء على جزاء الشرط مجاله إذا لم يكن الجزاء فعلاً ماضياً أو مضارعاً كما مثلت لأن الفعل إن كان ماضياً فلا يجوز دخول الفاء عليه نحو: (إن قام زيد قام عمرو)، وإن كان مضارعاً جاز دخول الفاء عليه ولكنه لم يجب نحو: (إن قام زيد يقم عمرو).

واستدل الحنفية (1) أيضاً على أن الفاء للتعقيب بأن الأصل فيها أن تدخل على المعلل، لأن المعلل يعقب العلة نحو (جاء الشتاء فتأهب)، ولكن قد تدخل أيضاً على العلل على معنى أن ما بعدها يكون سبباً لما قبلها، ولما كان السبب متقدماً على المسبب لا معاقباً إياه تكلف بعض الأصوليين من الحنفية كصدر الشريعة ابن مسعود في التوضيح لتحقيق التعقيب في ذلك فقال (2): وإنما تدخل الفاء على العلل لأن المعلول الذي هو الحكم السابق على الفاء إذا كان مقصوداً من العلة يكون علة غائية للعلة، فتصير العلة معلولاً، فلهذا تدخل على العلة باعتبار أنها معلول أي أن ما بعد الفاء علة باعتبار، معلول باعتبار آخر، ودخول الفاء عليه باعتبار المعلولية لا باعتبار العلية مثال ذلك، (أبشر فقد أتاك الغوث، أدّ لي ألفاً فأنت حر، فيعتق العبد في الحال: لأن قوله أنت حر معناه لأنك حر، ولا يمكن أن يكون فأنت حر جواباً للأمر: لأن جواب الأمر لا يقع إلا فعلاً مضارعاً، ومثل قول المسلم للحربي: (انزل فأنت آمن ومثل قوله تعالى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِن خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى كم [البقرة: 197] ففي هذه الأمثلة دخلت الفاء على العلة.

(1) التقرير والتحبير (46/ 2). (2) التلويح على التوضيح (104/ 1).

216