الدلالات وطرق الاستنباط
الجزء ١ · صفحة ٢١٧ويلاحظ في هذه الأمثلة أن الإبشار ليس علة لإتيان الغوث، ولا الأمر
بالتزود لكون خير الزاد التقوى، وإنما هو علة غائية للإخبار بذلك، وبهذا يظهر التكلف فيما أيد به صدر الشريعة ووجهة نظره، والأقرب في هذا المعقول ما سلكه البزدوي وغيره في أن الفاء إنما تدخل على العلل إذا كان ذلك مما يدوم، ويمتد لأن العلة إذا كانت دائمة كانت في حالة الدوام متراخية عن ابتداء الحكم فيصح دخول الفاء عليها بهذا الاعتبار، كما يقال للسجين الذي ظهرت بالنسبة له آثار الخلاص والفرج: أبشر فقد أتاك الغوث، فإن الغوث الذي هو علة الإبشار باق بعد ابتداء الإبشار، وتسمى هنا فاء التعليل، لأنها بمعنى لام التعليل.
هذا، وقد اعترض على أن الفاء للتعقيب قوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُم مُّوسَى ويلكم لا تَفْتَرُوا عَلَى اللهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُم﴾ [طه: 61] فإن الافتراء في الدنيا، والإسحات وهو الاستئصال إنما هو في الآخرة، ويجاب عنه بأن الاستئصال لما كان يقطع بوقوعه جزاء للمفتري جعل كالواقع عقب الافتراء مجازاً، ولا شك أن المجاز خير من الاشتراك، أي بأن يجعل للفاء معنى آخر على سبيل
الاشتراك.
واعترض أيضاً بقوله تعالى: وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْتَهَا فَجَاءَها بأسنا) [الأعراف: 4] فإن مجيء البأس لا يتأخر عن الهلاك، فيؤول بمعنى وجود الحكم بمجيء البأس هلاكها.
ومثل الآية الأولى قوله تعالى: {وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتبا فرهن مَقْبُوضَةٌ) [البقرة: 283] فإن الرهن مما يتأخر عن المداينة، فيؤول بأن حكم المداينة الرهينة، كما أن حكم الافتراء الإسحات.
قال الآمدي: وقد ترد الفاء مورد الواو كقول الشاعر امراء القيس:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوا ببين الدخول فحومل
217