الدلالات وطرق الاستنباط
الجزء ١ · صفحة ٢١٨3 ـ ثم
ثم للعطف على سبيل التراخي (1)، أي أنها تدل على أن وقوع ما يليها بعد ما قبلها بمهلة وبعبارة أخرى هو أن يكون بين المعطوف بها والمعطوف عليه مهلة في الفعل المتعلق بهما، فمثلاً إذا قلت: جاءني زيد ثم عمرو، ضربت زيداً ثم عمراً، كان المعنى أنه وقع بينهما مهلة.
(2)
واختلف الحنفية في ظهور أثر التراخي (2)، فقال أبو حنيفة: يظهر أثره في الحكم والتكلم جميعاً، حتى كان بمنزلة ما لو سكت ثم استأنف قولاً، وذلك لأن (ثم) تفيد مطلق التراخي والمطلق ينصرف إلى المعنى الكامل فيه والكمال بأن يثبت التراخي في التكلم والحكم جميعاً.
وقال الصاحبان: أبو يوسف ومحمد التراخي راجع إلى الحكم، أي إلى الوجود أي يوجد ما دل اللفظ عليه متراخياً كما في كلمة (بعد) لا في التكلم، لأن التكلم متصل حقيقة فكيف يجعل التكلم منفصلاً، والعطف لا يصح مع الانفصال، فيبقى الاتصال حكماً مراعاة لحق العطف.
ويتضح هذا بالمثال فيما إذ قال الزوج لامرأته قبل الدخول بها: (أنت طالق ثم طالق ثم طالق إن دخلت الدار)، فعند أبي حنيفة: يقع الطلاق الأول ويلغى ما بعده كأنه سكت على الأول، ثم استأنف لأن التراخي في التكلم يجعل الكلام بمنزلة الكلام المنفصل عن بعضه، وعند الصاحبين تتعلق الطلقات جميعاً بالشرط وينزلن على الترتيب عند وجود الشرط، لأنه كلمة (ثم) للعطف بصفة، فإذا كانت مدخولاً بها تطلق ثلاثاً، وإن كانت غير مدخول بها تطلق واحدة ويلغى ما بعده لفوات المحل بالبينونة.
اعترض على أن كلمة (ثم) تفيد التراخي بقوله تعالى: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَن
(1) فواتح الرحموت (234/ 1).
(2) التقرير والتحبير (47/ 2).
218