الدلالات وطرق الاستنباط
الجزء ١ · صفحة ٢١٩تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) [طه: 20]، فإن الاهتداء لا يتراخى عن التوبة والإيمان والعمل الصالح، ويجاب عنه بأن ذلك محمول على دوام الاهتداء
وثباته.
هذا وقد تستعار (ثم) بمعنى الواو مجازاً للمجاورة التي بينهما (1)، قال الله تعالى: {ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ) [البلد: 90] فهنا يتعذر العمل بحقيقة (ثم) إذ أن الإيمان هو الأصل المقدم الذي يبتني عليه سائر الأعمال الصالحة، وهو شرط صحتها من الشخص، فلا يكون: ﴿فَكُ رقبة) أَوْ إِطْعَهُ فِي يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد: 13 و 14] معتبرين قبل الإيمان، كالصلاة قبل الطهارة لا تعتبر، فعرفنا أن (ثم) هنا بمعنى الواو، ومثل ذلك قوله تعالى: {فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ) [يونس: 46] فإنه يتعذر العمل بحقيقة (ثم) لأنه تعالى شهيد على ما يفعلون قبل رجوعهم إليه، كما هو شهيد بعد ذلك فكانت ثم بمعنى الواو.
قال الزمخشري: المراد من الشهادة مقتضاها ونتيجتها وهو العقاب كأنه تعالى قال: ثم الله يعاقب على ما يفعلون، وقال: ويجوز أن يراد: إن الله مؤد شهادته على أفعالهم يوم القيامة، حين ينطق جلودهم وألسنتهم وأيديهم وأرجلهم شاهدة عليهم.
وأما في قوله - صلى الله عليه وسلم - من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير، ثم ليكفر عن يمينه (2) فإن كلمة (ثم) محمولة على حقيقتها وهو التراخي لإمكان العمل بها لأن الكفارة واجبة بعد الحنث بالاتفاق، وهذه هي الرواية المشهورة للحديث.
(1) التقرير والتحبير (48/ 2).
(2) رواه مسلم ومالك في الموطأ والترمذي عن أبي هريرة.
219