الدلالات وطرق الاستنباط
الجزء ١ · صفحة ٢٣١اللغة، فلو أفادت التبعيض لأدى الأمر إلى التكرار والترادف مع كلمة (من) الموضوعة للتبعيض لدلالة اللفظين على معنى واحد وأدى أيضاً إلى الاشتراك وهو أن يكون لفظ واحد دالاً على معنيين مختلفين، وكل من الترادف والاشتراك خلاف الأصل فلا يعدل عن الحقيقة إلى أمر عارض، والحقيقة في الباء هو معنى الإلصاق، قال ابن جني وابن برهان من زعم أن الباء للتبعيض، فقد أتى على أهل اللغة بما لا يعرفونه.
وبناء عليه قال الحنفية: إن الباء إذا دخلت في آلة المسح، اقتضت استيعاب الممسوح، مثل (مسحت الحائط بيدي، أو: مسحت بيدي الحائط:)، فيجب استيعاب الحائط في المسح، لأن الحائط اسم المجموع، وإذا دخلت الباء على محل المسح اقتضت استيعاب الآلة كقوله تعالى: وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} [المائدة: 6] أي امسحوا أيديكم برؤوسكم، أي الصقوها برؤوسكم فلا تقتضي استيعاب الرأس، لكنه يقتضي وضع آلة المسح على الرأس وإلصاقها به ووضع الآلة لا يستوعب الرأس في العادات أيضاً، لأن اليد لا تستوعب الرأس عادة.
فيكون المفروض في الوضوء هو مسح بعض الرأس وهو بمقدار الكف
الذي يساوي تقريباً ربع الرأس.
أما في التيمم فإن استيعاب الوجه بالمسح لم يثبت بآية: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ﴾ [المائدة: 6] وإنما ثبت بالسنة المشهورة، وهي قوله عليه الصلاة والسلام لعمار يكفيك ضربتان ضربة للوجه وضربة إلى الرسغين (1).
وقال الشافعية إن الباء إذا دخلت على فعل لازم، فإنها تكون
(1) رواه الدارقطني عن عمار بلفظ (إنما كان يكفيك أن تضرب بكفيك في التراب، ثم تنفخ فيهما، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك إلى (الرسغين) نيل الأوطار (264/ 1).
231