الدلالات وطرق الاستنباط
الجزء ١ · صفحة ٢٤القول الثاني: إن المطلق في هذه الصورة يحمل على المقيد فيجب عتق رقبة مؤمنة في كل من كفارة القتل الخطأ وكفارة الظهار، وهذا الحمل من باب
الأخذ بالنص.
وحجة القائلين بهذا القول أن اتحاد الحكم في النصين يقضي بحمل المطلق على المقيد حتى لا يكون هناك تخالف بين النصوص الواردة في شيء واحد، لأن القرآن كله كالكلمة الواحدة في وجوب بناء بعضه على بعض، فكلام الله تعالى متحد في ذاته لا تعدد فيه فإذا نص على اشتراط الإيمان في كفارة القتل الخطأ، كان ذلك تنصيصاً على اشتراطه في كفارة الظهار، ولأن الآتي بالقيد أي الإيمان في الرقبة عامل بالدليلين قطعاً، فيكون أرجح فيجب
6
المصير إليه. وفي هذا الاستدلال، نظر فكلام الله تعالى وإن كان واحداً لا تعدد فيه، فذلك باعتبار عدم التناقض، لا باعتبار الأحكام، بل هو مختلف قطعاً من حيث المحتوى، فالقرآن فيه الأوامر والنواهي وفيه الأحكام وفيه الأخبار وفيه المواعظ والأمثال إلى غير ذلك.
ثم إن المطلق ليس داخلاً في المقيد، وسبب الكفارتين مختلف، فالقتل يقتضي زيادة الزجر لخطورته والظهار يقتضي التخفيف لخفة فساده بالنسبة للقتل.
أو
لذا يتضح رجحان القول الأول لقوة دليله ولأن النصوص الشرعية حجج في ذاتها، فكل نص حجة قائمة بذاتها، والتقييد من غير دليل من ذات اللفظ من الحديث في موضوعه تضييق من غير أمر الشارع، فإن قيل إن الاحتياط أولى وذلك يحصل بإعمال الدليلين المتمثل في حمل المطلق على المقيد فالجواب: إن الاحتياط شيء، والإلزام شيء آخر، والتشرع بما لم ينص عليه فيه نوع من التضييق، وقد قال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرج ال (1).
(1) سورة الحج، الآية: 78.
24