الدلالات وطرق الاستنباط
الجزء ١ · صفحة ٢٦٢ثانياً: ألا يعارض المفهوم المخالف ما هو أقوى منه، فإن عارضه دليل
روي عن
أقوى منه وجب العمل بهذا الدليل المعارض وترك العمل بالمفهوم. مثال المفهوم المخالف الذي عارضه دليل أقوى منه، ما في قوله تعالى: وإذا ضَرَتم في الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن نَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَوَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إن الكفرينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوا مُّبِينًا) (1) فإن منطوق هذه الآية قد دل على أن صلاة القصر مشروطة بحالة الخوف، فيكون المفهوم المخالف أنه إذا انتفى الخوف فلا، قصر ولكن هذا المفهوم قد عارضه منطوق قد دل على خلاف ذلك، وأن رخصة قصر الصلاة عامة في الخوف والأمن، وذلك ما يعلى بن أمية أنه توقف في الآية فسأل عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ كيف نقصر وقد أمنا والله تعالى يقول: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أن نَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَوةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: 101] فقال: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته. فالمفهوم يدل على أن الصلاة لا تقصر في حال الأمن، وقد عارضه منطوق الحديث الذي يدل على أن القصر رخصة في السفر مطلقاً في الخوف والأمن، والمنطوق أقوى من المفهوم، وقد عارضه فيجب ترك العمل
بالمفهوم ولا يكون حجة لمعارضة المنطوق له وهو أقوى منه. ثالثاً: ألا يكون تخصيص المنطوق بالذكر قد جاء موافقاً للعادة أو جرياً
على الغالب من أحوال الناس.
مثال تخصيص المنطوق بالذكر جرياً على الغالب من أحوال الناس قوله تعالى: {وَرَبِّبُكُمُ الَّتِي فِي حُجُورِكُم) (2) فإن الغالب من عادة الناس وأحوالهم كون الربائب في حجور أزواج أمهاتهن أي في رعايتهم وتربيتهم،
والربيبة هي بنت الزوجة من زوج آخر.
(1) سورة النساء، الآية: 101. (2) سورة النساء، الآية: 23.
262