الدلالات وطرق الاستنباط إبراهيم بن أحمد بن سليمان الكندي

الدلالات وطرق الاستنباط

الجزء ١ · صفحة ٢٨٥

مثال تعارض العبارة والإشارة: ما ذكرناه من تعارض وجوب القصاص على القاتل عمداً عملاً بآية {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ

خلدا فيها) (1) فيرجح الحكم الأول لأنه ثابت بعبارة النص.

ومن

أمثلته قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَا بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (2) دل بعبارته على مكانة الشهداء العالية، ودل بإشارته على أن الشهداء لا يصلى عليهم، لأن الله تعالى سماهم أحياء، وصلاة الجنازة تكون على الأموات، وقد تعارضت هذه الإشارة مع قوله تعالى: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إن صلوتك سكن فَمَّ) (3) فإنه دل بعبارته على إيجاب الصلاة في حق الموتى، والشهداء أموات حقيقة وحكماً، فتقسم أموالهم التي تركوها ويحل التزوج بنسائهم بعد مضي عدتهم، فترجح عبارة الآية الثانية على إشارة الآية

جميعهم،

الأولى.

ومثال تعارض الإشارة مع الدلالة قوله تعالى: وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَلِدًا فِيهَا} (4) فإنه دل بإشارة النص على عدم وجوب الكفارة على القاتل عمداً، وقوله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ (5) فإنه دل بعبارته على وجوب الكفارة على القاتل خطأ، ودل أيضاً بدلالة نصه على أن القاتل عمداً أولى بالكفارة من المخطاء، لأن المخطاء أدنى حالاً من العامد، فترجح إشارة الآية الأولى لقوتها على دلالة نص الآية الثانية، فلا تجب الكفارة على القاتل عمداً.

ولا مثال على التحقيق لتعارض دلالة النص مع اقتضاء النص.

(1) سورة النساء، الآية: 93. (2) سورة آل عمارن، الآية: 169 (3) سورة التوبة، الآية: 103. (4) سورة النساء الآية: 93 (5) سورة النساء، الآية: 93

285