الدلالات وطرق الاستنباط إبراهيم بن أحمد بن سليمان الكندي

الدلالات وطرق الاستنباط

الجزء ١ · صفحة ٤٥

ومعنى كون الوجوب متعلقاً بجميع الوقت هو أن المكلف مخير بين

الفعل والترك في أول الوقت ووسطه حتى إذا لم يبق من الوقت إلا مقدار ما

يسع الفعل تعين الأداء كيلا يفوت الفرض فإن التفويت بغير عذر حرام قطعاً. وهو كما ترى في غاية القوة، إذ معنى كون المأمور به واجباً هو أنه أثر خطاب الله تعالى المترتب على تركه العقاب ومن الواجبات ما يكون موسعاً في فعله، فلا يهلك المخاطب به إلا بتركه أصلاً، ومنها ما هو مضيق فيهلك المخاطب به بتأخيره، وبهذا يتضح أنه ليس كل واجب يلزم فعله فوراً.

أما الأمر المقيد بالدوام أو بغاية معينة فللعلماء فيه مذهبان: أولهما: وهو رأي المحققين - أنّ الأمر يقتضي دوام الفعل المأمور به، وكذا يحكم على الأمر المقيد بكونه إلى غاية نحو: أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ) [البقرة: 187] فإنه يحكم عليه بدوام الصيام في تلك المدة إلى الغاية التي قيد بها

الأمر.

وثانيهما: أن الأمر المقيد بالدوام لا يقتضي التأبيد ودليل القول الأول أن التقييد بالدوام يفيد استمرار الأمر على الأبد بوضع الصيغة مع قيد الدوام

والأبدية وهذا ما يقتضيه منهاج اللغة.

ودليل القول الثاني: ما روته اليهود عن موسى - عليه السلام ـ قال لهم تمسكوا بالسبت أبداً، فإنه لم يقتض الدوام بل نسخ بشريعة محمد - صلى الله عليه وسلم - وبقوله تعالى: ﴿وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: 95] ثم حكى عن أهل النار أنهم يتمنون الموت في قوله تعالى حاكياً عنهم: لِيَقضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ) [الزخرف: 77] فلم يقتض الدوام.

ويجاب عن الاحتجاج بما روته اليهود أنه من الشبه التي لقنهم إياها ابن الراوندي وهو كذب والكذب لا يحتج به فضلاً عن أن ينقض به الأصول الثابتة، ولو كان موجوداً في التوراة لأحتج به الموجودون في عهد النبي

- منهم عليه.

45