الدلالات وطرق الاستنباط
الجزء ١ · صفحة ٦٧هـ ـ دلالة النهي على الفور والتكرار
يرى الجمهور أن النهي كما يدل على التحريم حقيقة فإنه كذلك يدل على الدوام والمراد بالدوام الاستمرار على ترك المنهي عنه كما أنه يدل على
الفور.
وحجتهم في ذلك أن فاعل المنهي عنه في أي وقت من الأوقات من بعد ورود النهي فاعل لما طلب منه الكف عنه وفاعل ذلك لا يكون ممتثلاً ولو لم يقتض الفور أي تعجيل الانتهاء بعد صدور النهي لجاز أن يرتكب ما نهي عنه بعد النهي وهو باطل لأن فاعل ذلك النهي لا يكون ممتثلاً.
وتوضيح ذلك أن النهي عن الفعل يقتضي عدم الإتيان بهذا الفعل المنهي عنه، وعدم الإتيان به لا يتحقق إلا بترك الفعل في جميع أفراده في كل الأوقات، وبذلك يكون ترك الفعل مستغرقاً لجميع الأوقات التي من جملتها الزمن الذي يلي النهي مباشرة وعلى ذلك فالنهي يدل على تكرار الترك كما يدل على الانتهاء فوراً.
وخالف في ذلك الفخر الرازي وجعله كالأمر في أنه لا يجب فيه تكرار الانتهاء عنه في كل وقت بل إذا تركه في الوقت الذي يلي النطق بالنهي فقد امتثل وإن فعله بعد ذلك الوقت لم يخرج عن الامتثال بفعله بعد أن كف عنه مرة، وحجته أن القائل إذا قال لا تفعل كذا فكأنه قال كف عن هذا الفعل، فالمطلوب إنما هو كف فإذا كف عنه عقيب الأمر بالكف فقد فعل الكف وهو المطلوب ومن فعل المطلوب فقد امتثل على ما يقتضيه إطلاق اللفظ فلا يجب کف آخر في الوقت الثالث والرابع إلا لقرينة تقتضيه ولأن النهي عن الفعل أمر بفعل أمر بفعل ضده فكما أن الأمر المطلق لا يقتضي تكرار الفعل كذلك
النهي.
وأجيب بأنه لا شك أن المطلوب بالنهي مع الإطلاق أن لا يكون للمنهي
67