بغية الراقي في شرح خلاصة المراقي
الجزء ١ · صفحة ٦٣الباب الأول: في التوحيد وخصاله
63
والاعتراف بأنه الخالق الواحد المتفرّد بالخلق، والذي ليس له كفؤا يكافئه في ذاته ولا صفاته ولا أفعاله ولا عبادته، قال تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَلِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ﴾ [الأنعام: 102].
15 - لَا يُشْبِهُ الْأَشْيَاءَ طُرًا، وَهْيَ لَا تُشْبِهُهُ - جَلَّ - عَنْ أَنْ يُمَثَّلَا يفكرٍ، أَوْ يُدْرَكَ بِالْأَبْصَارِ فِي هَذِهِ الدَّارِ وَفِي الْقَرَارِ
وقوله: (لا يشبه الأشياء طرا وهي لا تشبهه): (الشبيه): هو المشارك لغيره ولو في صفة واحدة من صفاته)، والمعنى: أنه تعالى لا يشبه الأشياء أبدا في شيء من صفاتها، والأشياء لا تشبهه كذلك في شيء من صفاته؛ لأن اتصافه بالصفات اتصاف بكمالاتها واتصافُ المخلوقات بالصفات ليس على الكمال والإطلاق، فاتصافها اتصاف محدود ناقص قاصر؛ لأن الله تعالى هو الخالق الصانع لهذه المخلوقات ولا يمكن أن يتصف بصفاتها أو تتصف هي بصفاته، ولا مانع من أن يتصف المخلوق باسم صفة الخالق، فمثلا اتصاف المخلوق بصفة العلم إلا أن هذا الاتصاف ليس كاتصاف الله تعالى بها، فاتصاف الله تعالى بالعلم يُراد العلم المطلق الكامل الذي لم يسبقه جهل ولا يعزب عنه شيء، قال تعالى: ﴿عَلِيمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ ولا أصغر من ذلك وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَبٍ مُّبِينٍ﴾ [سبا: 3]، وقال: {ذَلِكَ لتعلَمُوا أَنَّ الله يَعلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [المائدة: 97]، أما اتصاف المخلوقات بالعلم فهو محدود سبقه جهل فهو مجرد «معرفة» (2)، ولا يحيط بكل شيء، بل مقدار مجهولاته أكبر بكثير من مقدار معلوماته، أضف إلى أن الجهل أصل فطري في المخلوقين، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّنْ بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: 78].
(1) السالمي، بهجة الأنوار، ص 122.
(2) المعرفة: علم سبقه جهل؛ الجرجاني - التعريفات، ص 218.