بغية الراقي في شرح خلاصة المراقي
الجزء ١ · صفحة ٦٩الباب الأول: في التوحيد وخصاله
69
إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 143]، فدخول (لن) النافية على الفعل المضارع في قوله تعالى: لَن تَركني)، يفيد الاستمرار والدوام والتأبيد، فلن
تراني أبدا على الدوام في الدنيا وفي الآخرة؛ لأن (لن) تأبد فعلها.
11 ـ في هذه الآية الكريمة علق المولى تبارك وتعالى رؤيته باستقرار الجبل عندما يأتيه أمر الله تعالى، فقال لال: ﴿وَلَكِن انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَننِي﴾، ولكن الجبل لم يستقر وأنى له الاستقرار بل اندك دا دعا كما أخبرنا الله تعالى بذلك: {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكَّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقَا، وما عُلِّق بمستحيل فهو مستحيل مثله.
12 - أما الحديث: «جنتان من فضة آنيتهما، وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما، وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن»)، يدل على أن المانع من رؤية القوم ربهم تبارك وتعالى هو رداء الكبرياء على وجهه تعالى، وهذه الصفة صفة ذاتية لا يصح أن
يتخلى عنها المولى له الا الله، فإن الله تعالى لا يتخلى عن صفاته الذاتية، وإثبات
6
رؤيتهم له إثبات تخليه عن المانع لهم من رؤيته سابقا، وهذا محال، فهل يقال بأن الله - تبارك وتعالى - الجبار المتكبر مالك الملك والملكوت والقهر والجبروت يتخلى عن كبريائه العظيم، فيكون حينئذ بلا كبرياء؟ فإن إثبات الرؤية والقول بجوازها وحدوثها إثبات لزوال ذلك الكبرياء المانع لها سابقا، فلو جازت الرؤية يكون الله تعالى حينها بلا كبرياء، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرًا.
13 - وما استدلوا به من أحاديث لإثبات الرؤية يقضي أنهم يرونه في الجنة، وهذا يقتضي أن الله تعالى في الجنة، لأن (في) ظرفية وهذا باطل؛ لأن الله تعالى لا يحيط به المكان.
(1) صحيح البخاري، باب تفسير ومن دونهما جنتان برقم (4878)، صحيح مسلم، باب: إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم برقم (180).