بغية الراقي في شرح خلاصة المراقي راشد بن سالم بن راشد البوصافي

بغية الراقي في شرح خلاصة المراقي

الجزء ١ · صفحة ٧٣

الباب الأول: في التوحيد وخصاله

73

وقال سبحانه: (لإيلافِ قُرَيْش) إِلَفِهِمْ رِحْلَةَ الشَّتَاءِ وَالصَّيْفِ، فَلْيَعْبُدُوا

رَبِّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِى أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ) [قريش: 1 - 4]. والقول أن عبادة الله تعالى من أجل رؤيته يضاهي قول اليهود الذين قالوا لموسى: لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً) (البقرة: 55]، مع أنهم قالوها عنادًا لموسى، وهذه المقولة فيها عناد الله تعالى الذي أمر بالعبادة لتفضله بالخلق والرزق وصنوف النعم.

بل خلق الخلق للعبادة فقط حيث يقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا ليعبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]، أوليس الخلق موجبًا للعبادة؟، فهل ترى أن الجمادات أولى بأن تقوم بهذا الواجب الله الله من الإنسان، الذي أنعم الله تعالى عليه ببصيرة العقل، وبلغ إحسانه إليه أن خلق له ما في الأرض، وسخر له ما في الوجود؟، أولم يخبرنا الله الا الله أن هذه الكائنات بأسرها بما فيها من جماد ونبات وحيوان، تُسبّح بحمده وتسجد له، كما يؤذن بذلك قوله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِعَهْدِهِ وَلَكِن لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: 44]، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجَبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرُ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِم إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) [الحج: 18]، فهل تكون هذه الكائنات أولى بالطاعة والانقياد ويكون الإنسان أولى بالتمرد والعناد؟، أوليست ربوبيته تعالى موجبة على خلقه أن يعبدوه ويتقوه، كيف وقد نص على ذلك الكتاب العزيز في قوله تعالى: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 92]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتَكُمْ أُمَّةً وَحِدَةً وَأَنَا ربُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: 52].