تاريخ الإباضية الديني والسياسي من القرن الأول إلى القرن السادس هجري
الجزء ١ · صفحة ١٢٩القضاء والقدر
تطرح مسألة القضاء والقدر" اشكالية فلسفية كبيرة لعلم الكلام بصفة عامة وهي اشكالية الارادة الحرة للانسان Le libre arbitre هل ان الانسان مخير او
مسير؟
وهذه الاشكالية تتجاوز الفكر الديني الاسلامي لتطرح على مستوى فلسفي
بحت، لذلك هي محل خلاف بين العلماء المسلمين منذ البداية. ويمكن القول ان مسألة القضاء والقدر قد قسمت المسلمين إلى تيارين أساسيين متناقضيين الجبرية الذين يدافعون على فكرة أن الانسان مسيّر والقدرية الذين يدافعون على فكرة ان الانسان مخيّر" وان له قدر من الحرية في اختيار اعماله وتورد المصادر الاباظية القديمة اصداء الجدل بين "المرجئة" و"القدرية" بعد مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان فالشماخي يذكر مثلا صحر العبدي كمؤلف لرسالة حول "القدر" والتي تبدوا انها اشرت لموقف الاباظية.
وليس صحر العبد هذا إلا أستاذ ابي عبيدة مسلم بن كريمة الذي قاوم الواصلية ويذكر الدرجيني الدرجيني I ان اباعبيدة اختلف مع غيلان الدمشقي بسبب موقف هذا الأخير من مسألة "القضاء والقدر".
فمن الثابت إذن أن الأباظية كانوا منذ البداية طرفا في الجدل الفكري حول
هذه المسألة وان لم تأخذ انذاك بعدها الميتافيزيقي الذي اخذته فيما بعد. فالواصلية تلامذة واصل بن عطاء رفضوا فكرة ان يكون الله هو خالق "الشر" في الوقت الذي رفض فيه الجبرية فكرة ان يكون الانسان قادرا على الخلق صفة وهي من صفات الله فقط واختار الاباظية الانحياز لفكرة القدرة المطلقة لله ولو أدّى ذلك الى الايمان بان "الشر" من خلق الله.
فالصراع بين التيارين كان معقدا وكان على الاباظية ان يختاروا صفهم فكان
موقفهم هو موقف الواصلية خاصة انهم كانوا يعتبرون الحسن البصري وهو استاذ
واصل بن عطاء من اشياخهم.
129