تاريخ الإباضية الديني والسياسي من القرن الأول إلى القرن السادس هجري
الجزء ١ · صفحة ١٣٠ولكن التحدي الاكبر بالنسبة للنظرية الاباظية كان الملاءمة بين فكرة "الارادة"
وهي من صفات الله وبين إله خالق للخير والشر في نفس الوقت يحكم نظريتهم في القضاء والقدر فإذا كان الله خالق للشر فهل يمكن ان يكون عادلا؟
لذلك فان هذه الاشكالية كانت سببا في خلافات داخل المذهب في البصرة في القرن الثاني من الهجرة خاصة وان اتباع المذهب كانوا تحت تهديد التأثيرات الواصلية لذلك فإن موقف شيوخ المذهب كان في مستوى هذه التهديدات فقاموا بطرد "القدرية" من مجالسهم وجعلوا من المسألة احد عناصر العقيدة "ما لا يسع جهله" و برؤوا من المطرودين عبد الله بن يزيد الفزاري وابو حمزة الكوفي.
وكل الدلائل تأكد على ان شيوخ الخوارج الشهرستاني ملل، 172، 173 لعبوا دورا اساسيا في طرح الجدل حول "القضاء والقدر" وقد يفسر ذلك بمعارضتهم الشديدة للخليفة عثمان بن عفان ولخلفاء بني امية وكان على علمائهم ان يجدوا تفسيرا مقنعا للفتن التي حلت بالمسلمين انطلاقا من مبدإ العدل الالاهي ولذلك وجدوا في النظرية التي تقول ان الله خالق لكل شيء بما في ذلك الشر تفسيرا لاندلاع الفتن ولكن هذه الفتن ليست مآسى الا في الظاهر لان الله جل جلاله اراد بها ان يبلو المسلمين وتعج الكتب الاباظية القديمة كرسالة ابن اباظ لعبد الملك بن مروان بالتفاصيل عن الفتن التي فرقت بين المسلمين وهي تعكس ايديولوجيا متناقضة بين الاستسلام لقدر الله ورفض الحكام المسلمين من غير الاباظية.
وقد يكون كتاب الجواهر" المنقات لإتمام ما أخل به کتاب الطبقات" لابي القاسم البرادي اكثرهم وضوحا ودقة في معالجة هذه المسألة لانه ليس الا امتدادا ونسخا لروايات مبكرة جدا تعود الى القرن الأول للهجرة حول مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان والفتن التي تلت مصرعه وفرقت المسلمين الى ملل ونحل فالنص يقدم عثمان كآداة للارادة الالاهية لخلق هذه الفتن والمحن دون ان يبرأه منها وهو ما يعكس مضمون مفهوم الخوارج "للكسب" وهو قدرة كامنة بالقوة لدى الانسان دون ان تكون من خلقه وسيطور هذا المفهوم الاشاعرة فيما بعد لاننا نعتقد ان الاباظية كانوا سباقين
130