تاريخ الإباضية الديني والسياسي من القرن الأول إلى القرن السادس هجري
الجزء ١ · صفحة ١٥٦الاحيان منساقين إلى التفكير في هذه الاشياء من داخل المنظومة ومنبهرين بتناسق افکار هؤلاء المفكرين الكبار.
وقد بني هذا التناسق على اسس ما يسمونه بـ "المنطق" وقد حاولنا ان نبين انه منطق ارسطو وقد كانوا يسيطرون على آلياته بنفس الدرجة التي سيطر عليها الاشاعرة والمعتزلة.
أما إذا أردنا تلخيص الاثر الكلامي الاباظي فيمكن ان نقول: انه الدفاع على فكرة للإلاه بالاعتماد على التفكير العقلاني او على تفكير يدعي ذلك وهذا يأتي في سياق اتجاه عام اثر في المفكرين المسلمين طوال كامل القرون الوسطى وقد عارضه بشدة تيارات أرتودوكسية عدة ان هذه الحرية النسبية للفكر قد رافقها عند الاباظية التزام حازم بالقانون والشرع وخاصة فيما يخص العبادات هذا الطابع المزدوج ميز الاباظية حتى العصور الحديثة وهم يشبهون في ذلك "البروستنان" وقد ذهب بعض الباحثين إلى تشبيهم بالدوناتيست Donatistes" وهم الخارجون عن كنيسة القديس
او غستان.
ونحن نعتقد انه من الخطأ مقارنة الاباظية بمجموعات دينية اخرى لانهم خلاصة تاريخ مختلف ومتميز وقد بينا ذلك في الجزء الاول من بحثنا ولقد ركزنا على هذه الخصوصية لنبني العلاقة بين الجانب الديني والمعطى التاريخي لان دراسة الفكر الديني بمعزل عن الظروف التاريخية التي نشأ وترعرع واستكمل بناءه النهائي فيها لا يعكس دينامكيته الحقيقية ولا يبرز قدرته على التطور واستيعاب ماطرأ من افكار واحداث وقد يبدوا غريبا وشاذا واحسن مثل على ذلك مسألة الامامة وحالات الظهور والدفاع والشراء وخاصة حالة "الكتمان" التي يعيش فيها اباظية المغرب منذ نهاية امامة "الظهور مع سقوط الدولة الرستمية سنة 297 هـ".
فالامامة
هي من مسائل العقيدة قبل ان تكون مسألة سياسية وما علاقة الحذر التي تربط اباظية جربة وبني مزاب وزوارة بالسلط المركزية إلا انعكاسا لموقفهم العقدي من هذه الانظمة والنجاحات التي يلقاها الاباظية في مهن التجارة مرتبطة كذلك بطبيعة عقيدتهم فدراسة العقيدة تبقى المدخل الاساسي لكل محاولة فهم او تسليط الاضواء على هذه المجتمعات بالنسبة للمؤرخين وعلماء الاثنلوجيا.
156