تاريخ الإباضية الديني والسياسي من القرن الأول إلى القرن السادس هجري
الجزء ١ · صفحة ٢٩حالة الظهور
لقد نجح بن رستم عند تأسيسه للدولة الرستمية في تحقيق حلم أباظي قديم قوامه التحول إلى حالة الظهور وهو الهدف الذي قاتل الأباظية من أجله منذ أيام بن أباظ وقد تطلب الأمر قرنا كاملا لينتصر المذهب ويتحول إلى ما يشبه دين الدولة وهو الأمر الذي كانت له عواقبه في المستقبل على تطور هذا المذهب نفسه فقد تحول من مذهب مطارد معارض للنظام السياسي الديني القائم إلى ايديولوجية للدولة هدفها الأساسي الحفاظ على السلطة لمن حملوا لواء الدفاع عنها وافتكاكها ويبدو لنا ان تطور الأباظية السياسي لم يخضع دوما لمقتضيات النظرية الكلامية والعقيدة الأباظية ولهذا السبب بالذات رأينا من المفيد أن نستبق دراسة الفكر الكلامي الأباظي بعرض يصف وان باقتضاب مختلف المراحل التاريخية لتطوره ولعل أفضل مثال على ما افترضناه هو السلالة الرستمية نفسها فبعد نجاحها في تأسيس سلطتها في بلاد المغرب بإسم العقيدة الأباظية في الإمامة وباسم تصور خارجي للسلطة فإنها لم تحترم لا هذا ولا ذاك من هذه المبادئ والغريب ان المؤرخين الأباظية تجاهلوا هذا الأمر وانصرفوا إلى نقد "النكار" بشراسة وهم الذين ناهضوا هذا الأمر وشهروا بهذا الاستيلاء على السلطة وتحويل الإمامة إلى ملكية وراثية وهكذا نجحت العائلة الرستمية في التحول الى أكبر مستفيد من الوضع ولو على حساب المبادئ الأساسية للمذهب وخصوصا مبدأ الإمامة، وكان موت عبد الرحمان الفرصة المناسبة لظهور أول انشقاق متمثلا في النكار ولهذا يبدو مهما بالنسبة إلى الباحث ان ينظر في هذه الاختلافات المذهبية السياسية التي وضعت وجها لوجه فرقا اباظية متعددة حتى والدولة الرستمية لا تزال قائمة.
ويحسب لعبد الرحمان في الواقع ترسيخه لدعائم هذه الدولة الوليدة بفضل شرعيته ومهارته السياسية فظلت الدولة في أيامه قائمة على احكام المذهب وتمكن من جمع هذه الأشتات من الفرق والأعراق والقبائل
في تاهرت وظل الأساس هو سيطرة النزعة البربرية وهيمنة المذهب الأباظي
29
29