تاريخ الإباضية الديني والسياسي من القرن الأول إلى القرن السادس هجري
الجزء ١ · صفحة ٥٠الأباظية. لقد كان زعماؤه بداية من اواخر القرن الأول يسكنون المدن حيث كانوا يتعاطون الجدل الفكري وينتظمون في "مجالس" سرية لدراسة دينهم وطريقة مذهبهم كما كان الامر في عهد أبي عبيدة مسلم بن كريمة وتلاميذه في بداية القرن
الثاني.
ولقد مثلت إمامة "تاهرت" المذهب الأباظي في تطوره من عقيدة احتجاجية ترتكز على قاعدة اجتماعية ذات هيكلة قبلية الى عقيدة سلطة لحكم مركزي يرتكز أكثر فأكثر على قاعدة اجتماعية حضرية وقد استمت احفاد الرستميين عند انتقالهم الى "ورجلان" في اعتناق المذهب الأباظي الوهبي بينما واصلت القبائل الرحل وشبه الرحل في اعتناق المذهب الإباضي النكاري فالمذهب النكاري أكثر راديكالية واقرب عقائديا للتيار الخارجي المبكر بينما أظهر المذهب الأباظي الوهبي أكثر مرونة سياسية الشيء الذي مكنه من البقاء.
إن فشل الإنتفاظات الأباظية وخاصة انتفاظة "بغاي" يرجع فيما يرجع إلى رفض أعيان الأباظية في نفوسة وجربة الانسياق لمغامرة حربية لأنهم يحبذون الجدل الفكري والاجتهاد الديني على العمل العسكري وامتشاق السيوف فبعد هزيمة بغاي انتصر الوهابيون على النكار والاعتدال على التطرف داخل المذهب الأباظي رغم الخسارة الكبيرة وانساق الاباظية بعد ذلك وبهدوء نحو اشكال من المقاومة السلمية أكثر تماشيا مع واقع موازين القوى السياسية والعسكرية ودخلوا في حالة "الكتمان" التي تتجاوب مع المرحلة فأخذ النظال الفكري والديني والفقهي مكان المواجهة العسكرية وقد حدد هذا الاتجاه مصير المذهب ومصير المناطق التي يسيطر عليها ان الاستقرار النسبي والرخاء الاجتماعي في المدن - الواحات اين اختار الاباظية العيش مثلا مناخا مواتيا لتطور العلوم الدينية: علم الكلام وحلم الفقه الذين سيعرفان أوقات
عزة كبيرة.
50