رياض الأحباب وإمتاع الألباب في أصول وقواعد الإعراب
الجزء ١ · صفحة ٤٢٠5 - الإضراب، وذلك بأن يُخبر المتكلم عن وقوع شيءٍ أو يطلب شيئاً ثم يبدو له تركه والإخبار بغيره، أو طَلَبُ غيره، بأن يُضرِبَ عن الأول تماماً، سواء كان ذلك منه قصداً أو سهواً، كقول الطالب مثلاً، حفظتُ في هذه الساعة آية أو حديثاً، فقد أخبر أولاً عن حفظه آية، ثُمَّ أَضَرَبَ عنها، إلى أن المحفوظ حديث لا آية، وكقولك لمن تأمره أن يشتري لحماً فتنسى وتأمُرُه باشتراء خبز فتتذكر أثناء الكلام، بأن تقول: اشترِ خُبزاً أو لحماً، أي بل اشتر لحماً لا خبزاً.
وللعلماء في كون أو التي للإضراب عاطفةً رأيان: فمنهم من بعتبرها حرف
إضراب لا غير، ومنهم من يعتبرها مع الإضراب عاطفة، وهو خلاف شكلي. هذا وإنَّ الأصل في «أو» أن تكونَ لأحد الشيئين أو الأشياء، لكنها إذا وقعت بعد نفي أو نهي كانت للنفي العام الذي يشمل كل فرد مما في حَيّز النفي قبلها وبعدها، وللنهي العام الذي ينصب على كل فرد كذلك: فمثالها بعد النفي: لا أحب منافقاً أو كاذباً، ومثالها بعد النهي قوله تعالى: «ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً».
ثانيا: إما.
يُشارك أو حرف إمّا في إفادة كل من التخيير والإباحة بعد الطلب، والشك والإبهام والتفصيل بعد الخبر، فمثال الإباحة: البَس إمّا قُطناً وإما كُتاناً، ومثال التخيير: تَزَوَّج إما زينب وإمّا أُختها، ومثال الشك: الذي سَلَّمَ علينا إما خالد وإما علي، ومثال الإبهام: سأذهب إما في الساعة السابعة وإما في الساعة الثامنة وإما في الساعة التاسعة، قائلاً ذلك مثلاً لمن لا تُريد أن يعرف بالتحديد الساعة التي تذهب فيها، ومثال التفصيل: المفاعيل خمسة إما مفعول به وإما مفعول مطلق وإما مفعول فيه وإما مفعول لأجله وإما مفعول معه، والمعاني مستفادة من إما الثانية بمسايرة إما الأولى، وأنت حينما تنطقُ بمثل هذه التراكيب تستشعر المعنى الذي سيقت له إما بمجرد نُطقك بإما الأولى، غير أنه يتقرر نهائياً عند نُطقك بإما الثانية.
وقد اختلف النحويون في
العاطف هنا، فمنهم من يرى أن العاطف إما والواو
زائدة لازمة، ومنهم من يرى أن العاطف الواو، وإما مفيدة لأحد المعاني السابقة، وهذا الرأي أرجح دفعاً للزيادة بلا داع، ولأنَّ الحرف لا يدخل على مثله.
420