كتاب سير الأئمة وأخبارهم لأبي زكرياء يحيى بن أبي بكر - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٠وفي منتصف القرن الثالث منيت تيهرت بالشقاق الذي أحدثه النكار والواصلية واستغلته القبائل الساخطة سياسيا، ثم بخروج الخلفية وابن مصالة الذي كون دويلة صغيرة مستقلة عن تيهرت، وغير بعيد منها، وهذه أحداث يتناولها أبو زكرياء باستفاضة، ولكن القاريء يحسن صنعا إذا قارن رواية مؤلفنا الإباضي برواية ابن الصغير المالكي الذي كان يعيش تلك الأحداث في تيهرت. وقطع الأغالبة لطريق الاتصال بين تيهرت والمناطق الشرقية التابعة لها، والشقاق العقائدي، ومحاولة الولاة الاستقلال بما ولوا عليه أو اقتطعوه لأنفسهم، كانت كلها ضربات قاسية هزت كيان الدولة الرستمية، ولكن الضربة القاضية على سلطان الإباضيين، كانت معركة مانو بين طرابلس وقابس التي ألحق فيها إبراهيم بن أحمد الأغلبي في سنة 283هـ، هزيمة منكرة بالإباضيين، لا يتحرج مؤلفنا من ذكر تفاصيلها وآثارها السياسية والعسركية الوخيمة. ففي هذه المعركة تحطمت سوكة نفوسة التي كانت بمثابة العمود الفقري للدولة الرستمية في المنطقة. ومع ذلك فقد استمرت الدولة الرستمية في الوجود في الغرب، حتى سنة 296هـ، حين تعرضت لضغوط قوات العبيديين المباشرة، قبل أن تسقط في أيديهم، في آخر الأمر، وحينئذ لم يكن لآخر الأئمة الرستميين، أبي يوسف يعقوب من الفرار مع أسرته وأعيان دولته إلى سدراته وارجلان، في الجنوب الشرقي من تيهرت. وهناك فكر البعض في إعادة بناء الإمامة، ولكن هذه الفكرة لم تكن واقعية، وقد أدرك هذه الحقيقة الإمام نفسه. وفي هذه الأثناء تكونت دولة إباضية في جبل نفوسة الذي لم يقتحمه العبيديون إلا في وقت متأخر، بزعامة عالم يسمى أبو يحي زكرياء الأرجاني. وخلع عليه لقب الإمام المدافع، وقد دامت هذه الدويلة نحو 15 سنة، وهذا هم الحاكم الإباضي الوحيد الذي أخذ لقب الإمام بعد الرستميين، وعلى الرغم من أن سلطان أبي يحي لم يكن يتجاوز جبل نفوسة فهو مع ذلك، كان يحكم هذه المنطقة فعلا، ومنع عنها العبيديين. والإباضيون في الوقت الحاضر لا يزالون متمسكين بتراثهم ومميزاتهم التي ورثوها عبر القرون، وهم يعيشون في جماعات متضامنة منطوية على نفسها ثقافيا، ولكنها ترتبط بعلاقات بتبادل تجاري وتعيش في وئام مع مختلف الجماعات الدينية والاثنوغرافية في المغرب. والمناطق /10/