كتاب سير الأئمة وأخبارهم لأبي زكرياء يحيى بن أبي بكر - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٩وتحت الأئمة عبد الرحمن، وابنه عبد الوهاب، وحفيده أفلح، بلغ المذهب الإباضي أوج عظمته العلمية والسياسية حيث كان أساسا لحضارة لم يشهد لها المغرب الأوسط مثيلا من قبل، فإن الأسرة الرستمية التي استطاعت أن تفرض سلطانها على القبائل المضطربة في هذه المنطقة دون أن يكون لها سند من العصبية القبلية، إنما تمكنت من ذلك بسبب المكانة الأدبية التي كان يتمتع بها هؤلاء الأئمة، وبفضل عنايتهم بالعلوم والفنون وحرصهم على إقامة العدل والقسطاس، واعتمادهم في السياسة منهج الشورة واحترام رأي الأغلبية. وباختصار تلك المباديء التي ناضل الإباضيون من أجلها كثيرا وكلفتهم تضحيات باهضة عبر العصور، ولم يتمكنوا من تطبيقها في المشرق. كان سلطان تيهرت يشمل منطقة تمتد من تلمسان غربا حتى طرابلس شرقا، وفي الشمال الغربي كانت حدود المملكة تمتد حتى البحر الأبيض عندى مرسى الفروج، ومن الشمال الشرقي حتى مرسى الخرز أبي بيان أرزيو الحالية والقالة وتشمل مرسى الدجاج الجزائر ومرسى بجاية. وفي هذه الرقعة كانت تقطن عدد من القبائل أهمها وأكبرها لماية وسدراتة ومزاته وزناته ولواته ومكناسه وغمارة وازداجه وهوارة ونقوسه، وهي بالطبع لم تكن كلها تدين بالمذهب الإباضي، ولكنها تخضع لسلطان الرستميين السياسي. وفي الجنوب كانت رقعة الرستمية تشمل عددا من الواحات التي أهمها وادي ريغ ووارجلان، إلى جانب الزاب وجزء من الجريد. وكذلك كان يوجد مضيق يمتد بين جزء من الحضنة والزاب وجبل أوراس يقطنه الإباضيون ويمثل حلقة الوصل بين إمامة تيرهت وبين المناطق المأهولة بالإباضيين في جنوب تونس وطرابلس. والمناطق الشرقية الإباضية، كانت في أوائل القرن الثالث الهجري، تشمل مناطق قفصة وقسطيلية، وقنطرارة، ونفزاوة، والجبال التي تمتد من الجنوب الشرقي التونسي، كما تشمل جميع ولاية طرابلس فيما عدا المدينة نفسها. ومن هذه الملاحظات، نستخلص أن الدولة الرستمية كانت تحيط بدولة الأغالبة من جميع الجهات فيما عدا شريط يمتد من الشمال بحيث كانت رقعة هذه الدولة في الربع الأول من القرن الثالث الهجري، لا تتجاوز الشمال التونسي وجزء صغير من الشمال الشرقي الجزائري. ولكنه في سنة 224هـ نجح الأغالبة في تحطيم هذا الحصار، باحتلال المضيق الذي يربط تيهرت بطرابلس أي منطقة قفصة وبلاد الجريد، وكان ذلك بفضل حملة قادها عيسى بن ريعان الأزدي. /9/