كتاب سير الأئمة وأخبارهم لأبي زكرياء يحيى بن أبي بكر - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٠٣وقعة مانوا وانقراض الإمامة
حدث غير واحد من أصحابنا أن نفوسة بلغت في التأييد لسلطان الرستميين بأرض تاهرت مبلغا عظيما، لم يبلغه غيرهم في مغربنا هذا، فلذلك قال الإمام: إنما قام هذا الدين بسيوف نفوسة وأموال مزاتة. واتصلت أخبار نفوسة إلى من كان بالمشرق من أئمة المسودة يدس إليهم بالكتب من كان بالقيروان ومدينة طرابلس ويخبرهم أن قيام دولة الفرس بتاهرت تضر بهم، وكان ذلك على عهد المتوكل ببغداد من بني العباس. فلما تواردت(1) الكتب والأخبار إليه، أنفذ إلى المغرب عسكرا وجعل عليه إبراهيم بن أحمد من بني الأغلب فسار إبراهيم نحو المغرب بعسكره. فلما قرب من طرابلس، سمع بخبر نفوسة الجبل، فاجتمعوا فاتفق رأيهم ألا يتركوه وما يريد إلى الجواز إلى تاهرت دون أن يناصبوه. قال: فاتصل ذلك به من قولهم وعزمهم على منعه دون الوصول إلى تاهرت، فوجه إليهم: أن اتركوا لي سأحل البحر مقار نشر عمامة لا جوز فيه، أنا ومن معي فأبوا له ذلك. قال: فلما رأى إبراهيم أن ليس له إلا الرجوع إلى المشرق أو مناصبتهم، تهيأ للقائهم وعزم على محاربتهم، فقال لأصحابه: خذوا عدتكم وشمروا أنفسكم، وجوزوا على الساحل، ولا تتعرضوا لهؤلاء القوم، فإن هم تركونا وطريقنا وإلا ناصبناهم. فوصل ذلك إلى نفوسة، فقال بعضهم لبعض: دعو هذا الرجل ولا تتعرضوا له بشيء، فأبى جمهور المسلمين ذلك وكان سعيد بن أبي يونس رضي الله عنه فيمن قال لهم: لا تتعرضوا له. فقال له بعضهم: اشتقت إلى المحافظة على قنطرارة ولم ترد الموت. فقال لهم: يا قوم، ليس بي ما تذكرون وما تقولون، ولكنني خفت أن تذبح البقرة فيتبعها عجلها، يعني بالبقرة الجبل، وبالعجل قنطرارة. ثم إنهم خرجوا فتوجهوا نحو الفاسق فقاتلوه بالموضع المعروف بمانوا، وهو قصر من قصور الأولين على ساحل البحر، فاقتتلوا فيه قتالا شديدا، فلم يذكر أنه رأى مثله في ذلك العصر بأرض المغرب، فطلب رجل من عسكر المسودة المبارزة إلى عسكر المسلمين، فلم يبارزه أحد إلا قتله، فأراد الخروج إليه أفلح بن العباس، فأبى له أصحابه ذلك، وكان إذ /103/
(1) في الأصل: تدراكت.