كتاب سِيَر الأئمة وأخبارهم يحيى بن أبي بكر بن سعيد اليهراسني الوارجلاني أبو زكرياء

كتاب سير الأئمة وأخبارهم لأبي زكرياء يحيى بن أبي بكر - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٠٤

ذلك هو واليهم العام عليهم، فأبى إلا الخروج إليه فخرج إليه فبارزه فقتله أفلح فاشتد القتال بينهم وأسرع القتل في الفريقين، فكثر القتلى والجرحى في نفوسة حتى هموا بالانهزام، فتهدم الرجال في الصفين كالحيطان. فلما رأى ذلك واليهم أفلح بن العباس، أمر صاحب البند أن يحفر له في الأرض ويوقفه كي لا ينهزم على البند أحد، فأبى له صاحب البند ذلك، ثم اقتتلوا مليا، فرجع إليه فقال: احفر للبند، فأبى عليه، ثم أبى له إلا الحفر، فقال له صاحب البند: مسكته عند جدك، فلم يقل ذلك، ومسكته عند أبيك ولم يقل لي ذلك، إن حفرت له حفر الله لك. فحفر للبند ووقفه، فولى أفلح مدبرا وتركهم يلوذون بالبند، ولم يستجيزوا أن ينهزموا والبند واقف حتى قتل منهم بشر كثير. وقد كان أفلح فيما بلغنا كره خروجهم إلى الفاسق وقتالهم إياه، فلذلك فعل بهم ما فعل. ثم إن رجلا من ذوي البصائر في الدين، نظر إلى البند واقفا والناس يصرعون حوله، فقال إن أمرك قد انتهك بالله وقصد نحو البند فضربه بسيفه فوقع. فلما رأى من بقي من المسلمين أن البند قد وقع، انهزموا وولوا مدبرين، فأفلت من أفلت منهم. وبلغنا عن ثقات أهل دعوتنا من أهل الجبل أن عدد قتلاهم اثنا عشر ألفا، أربعة آلاف من نفوسة، وثمانية آلاف ممن كان معهم من البربر وغيرهم، وفيهم أربعمائة عالم فقيه، فيما ذكروا. وبلغنا أن عمروس بن فتح كان في آخر المعركة يحمي الناس ويذود عنهم، ولم يقدروا عليه، وكان على فرس سابق، فلما أعجزهم وأتعبهم، عمدوا إلى حبال فنصبوها له واضطروه إليها، فعثر به الفرس فأخذوه أسيرا، ومضوا به إلى الفاسق، فسألوه أن يستعفيه ليعفيه، فقال لهم كلمة لا تسمعها مني، ولكن أسألك في سراويلي هذا، لا تكشوفني منه، فأخذوا يقطعونه بالحديد من أنامله، فلما وصلوا إلى عضده استشهد رحمه الله. وقد كانت بعض نسوة نفوسة حين خرجوا خرجن معهم، فأخذن، فكانت فيهم أخت عمروس بن فتح فتخوفت عليهن الفتنة من قبل الظلمة والفجرة، فأمرت أن تستخلف كل واحدة منهن عن نفسها من يزوجها لمن أرادها بسوء، وكانت عالمة فقيهة. ثم إن بقية نفوسة رجعوا إلى الجبل وتحصنوا فيه واشتوروا في عزل أفلح بن العباس وتولية ابن عم له، فاتفق رأيهم كلهم على عزله إلا ما كان من أبي معروف وغيره، فإنه أبى لهم من عزله، خشية الاختلاف، ولم يبق /104/

١٠٢ / ٢١٠