كتاب سِيَر الأئمة وأخبارهم يحيى بن أبي بكر بن سعيد اليهراسني الوارجلاني أبو زكرياء

كتاب سير الأئمة وأخبارهم لأبي زكرياء يحيى بن أبي بكر - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٢١

مزاته على دفعهما، فكان رأي بعض أهل الدنيا أن يدفعوهمان وأبى لهم أهل الصلاح منهم ذلك، وتنحوا ناحية عن أهل الدنيا، وهم في ذلك إذ أتاهم رجل من ملأ مزاته وقال لهم: إن إخوانكم من هذه الجماعة ليست لكم فيهم ما يقومون له، فإن أحببتم أن تشمروا عن أنفسكم وتدفعوا عن صاحبكم، فافعلوا. فقال بعضهم لبعض، قوموا بنا لنأخذ عدة الحرب، فقاموا غضبا لله ولدينه ولمشائخهم، فأخذوا من هيئة السلاح، بعضهم يشد السرج لفرسه، وبعضهم يسوي سنان رمحه، وبعضهم يقلد سيفه وأمثال ذلك من أنواع السلاح، وما منا إلا وله في القوم أخ أو ابن عم أو نسيب أو قريب، فإن هم رأونا محاربين لا يدعوننا ويسلمونا. فلما رأى أهل الدنيا عزيمة المشائخ على الحرب وجدهم على القتال، رجعوا إليهم فتابوا مما بلغ المشائخ عنهم، فقبلوا عنهم توبتهم. قال: فاجتمع رأيهم على ذلك، وكان مسارة بن غني، من مزاته، ممن وافق رأيه رأي المشائخ، فقال: لي اثنا عشر ابنا وقد وهبتهم لكم اليوم، يا مشائخ. وقال مسارة لبنيه: قاتلوا اليوم وقد أمر المشائخ، كقتال علي بن أبي طالب أمام النبي ص. قال: فتهيأت العامة للحرب واستجمع عسكر الفضل في خيله ورجله، واجتمعت المشائخ ومن معهم، ثم إن مسارة التفت إلى أحد ولده، وهو أصغرهم، فقال له: أمك طالق إن لم تكشف تلك الربوة التي عليها خيل الفضل(1). وقد كانت عليها الخيل حتى أسودت، فيما بغلنا، كالليل المظلم وحمل عليهم الفتى وكشف عنهم. ثم إن الفريقين التقوا ونشبت الحرب وكان ذلك ضحوة نهار، فيما بلغنا فاقتتلوا مليا، والفضل في ثلاثين ألفا، وكانت الدائرة على الفضل وأصحابه وقتل منهم خلق كثير. وحدث أبو الربيع سليمان بن يخلف رضي الله عنه عن أبي يعقوب يوسف بن نفاث رضي الله عنه أنه قال: لما انهزم الفضل وعساكره، وصاروا ثلاث فرق، طائفة مستأصلة وطائفة هلك بعضها ونجى بعضها، وطائفة لم تصب من يتبعها، فهرب الفضل حتى انتهى إلى قرية من قرى تلك الأرض فدخلها فأخذه أهلها وقطعوا رأسه، وتوسلوا به إلى اسماعيل بن القاسم فتشفعوا به إليه، فشفعهم وانطفأ ذكره. وبلغنا عن رجل من هوارة يسمى محمد بن عربية، حين انهزم عسكر الفضل، ضلت له ابل ليلة يوم الهزيمة، فمضى في أثرها يطلبها ثم جنه الليل، فبات ولم يعلف حصانه. /121/

(1) في الأصل: خيل الخيل، وهو تحريف واضح.

١١٩ / ٢١٠