كتاب سِيَر الأئمة وأخبارهم يحيى بن أبي بكر بن سعيد اليهراسني الوارجلاني أبو زكرياء

كتاب سير الأئمة وأخبارهم لأبي زكرياء يحيى بن أبي بكر - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٢٨

أخبار أبي الربيع، سليمان بن زرقون النفوسي ض

وكان أبو الربيع قادة وهو من نفوسة تابديوت(1) وبها مولده ومسكنه، ولقد أخبرنا بعض أصحابنا ممن كان في عصرنا، أنه أدرك ديوانه وكتبه بقرية تابديوت، وقد بلغ من العلوم ما لم يبلغه كثير ممن في عصره، وكان تعلمه في سجلماسة، هو وأبو يزيد عند ابن الجمع. وكان ابن الجمع رجلا من أهل الدعوة، أقبل من المشرق تاجرا ينتحل جميع الفرق وكان غزير العلم، فقدم توزر وأقام بها وإذ ذاك أبو الربيع شاب حدث السن. وكان ابن الجمع يرسله في حوائجه ويلوذ به، فاختبره في أمور كثيرة، فوجده فاهما حاذقا ذكيا، فقال له ابن الجمع يوما من الأيام لما رآه من فهمه وحضور ذهنه، إني أراك فطينا، وشد ابن الجمع الطاء ليوهم عليه أنه أراد الفطنة، فأجابه الشيخ أبو الربيع: غير منزلق يا عمي، فتعجب به. وبلغنا أنه قعد معه ذات ليلة، فلما أراد ابن الجمع الرقاد، أمر أبا الربيع بتغطيته فغطاه، فقال ابن الجمع: الزيت خيرا، ليوهم عليه أنه أراد جزيت خيرا، ففطن به أبو الربيع فأجابه فقال له: على الخبز يا عمي!، فعظمت درجته عنده لما رأى من فهمه وعقله. ثم أراد ابن الجمع المسير إلى سجلماسة فطلبه أن يسير معه ويعلمه ما أراد من العلوم. قال: فسار ابن الجمع وأبو الربيع، يريدان سجلماسة، فلما وصلاها مكث عنده سنين عديدة، ومعه أبو يزيد مخلد بن كيداد. ولما حضرت الوفاة ابن الجمع، أوصى بكتبه لأبي الربيع فلما مات ابن الجمع، أقبل أبو الربيع إلى قسطالية وقد اشتهر اسمه وعلا ذكره، فطفق الناس يسألونه عن فنون العلم، فكل من سأله أجابه، واضطربت قسطالية كلها من أجله. وكان بها رجل مؤدب قبل ذلك لأبي الربيع في صغره، قبل أن يتعلم، لم يتماسك أن يقول إنما قرأ عندي، وأنا علمته ويكرر ذلك أينما جاز. وبلغنا أن أهل سجلماسة اختلفوا بعده في مسألة، فكادوا يقتتلون عليها، فاتفقوا على أن يبعثوا رجلين بحملين إلى أبي الربيع أينما كان يستفتيانه، فما أفتى به أخذوا به. فمضى الرسولان وجعل لهما أهل البلد أجلا معلوما، فتوجها حتى أدركاه، فاستفتياه، فأفتى لهما بوجه الحق، فكر الرسولان راجعين حتى /128/

(1) كذا في الأصل، وفي النص المترجم Tadiout

١٢٦ / ٢١٠