كتاب سِيَر الأئمة وأخبارهم يحيى بن أبي بكر بن سعيد اليهراسني الوارجلاني أبو زكرياء

كتاب سير الأئمة وأخبارهم لأبي زكرياء يحيى بن أبي بكر - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٣٦

أخبار أبي القاسم يزيد بن مخلد وأبي خزر يغلي بن زلتاف الوسيانيان أيدهما الله

كان أبو القاسم وأبو خزر الوسيانين، وأبو القاسم اسن من أبي خزر، وكان مسكنهما بالحامة، وكان الذي تعلما عنده الأصول وأخذاها هو حسنون(1) بن أيوب، وأما غير ذلك من مسائل الإعراب واللغة، وفنون العلم، فعن أبي الربيع سليمان بن زرقون النفوسي. وكان أبو القاسم ذا مال كثير، وأما أبو خزر، فلم يكن كذلك، وإنما كانت معيشته من كسب يده، وكانا في اول ابتدائهما يقران كتابا واحدا، فإذا قام أبو خزر إلى إصلاح معيشته، قرأ أبو خزر واشتغل في قراءة كتابه ودراسته. فإذا أرجع أبو خزر من طلب معاشه، قال لأبي القاسم: ارجع إلى حيث قمت عنك، فيقول له أبو القاسم: نعم، لي مرتان ولك مرة، فيرجع أبو القاسم فيعيد ما قرأ بعده. وكانت تلك حالهما حتى بلغا من العلم مبلغا عظيما فعقدا الحلقة ويأتيهما من أهل الدعوة من كانت له رغبة في العلم والأدب وسير الصالحين، ويتعلمون عندهما حتى اشتهر أمرهما وعلى ذكرهما. وكان أبو القاسم يطعمهم وينفق عليهم من ماله، وأبوه مخلد إذ ذاك حي، فقال بعض الحاضرين لأبيه مخلد: إن ابنك هذا مجنون، يعلمهم ويطعمهم، وتزوج أبو القاسم امرأة يقال لها الغاية. وبلغنا عن أبي القاسم أنه سأل عن رجل من التلامذة، فقيل له: تزوج، فقال: ليبلغني موت واحد من التلامذة أحب إلي من تزوجه، فقالت له زوجته الغاية: فلم تزوجت أنت إذا؟، فقال لها: لو علمت أين كانت مسألة ليست عندي، لشددت رحلي إلى سجلماسة، وما أخاف أن يعذبني الله إلا على الجهل. وبلغنا عن زوجته الغاية أنها سمعت من قرأ القرآن قراءة السر في الصلاة بتكييف ولم يحرك شفتيه أنه يعيد صلاته، فلما جنها الليل أقبلت على الصلاة تحتاط لصلوات سنة في ليلة واحدة، وكانت عادتها قبل ذلك الصلاة بالتكييف. وبلغنا أن أبا القاسم وأبا خزر ومن معهما من التلامذة كانوا ببعض أحياء البربر، فقصد إليهم رجل من النكار، فأظهر الرجوع عن مذهبه إلى أهل الدعوة، فمكث عندهم دهرا طويلا يتعلم ويتكيف من الشيوخ غرة وأظهر على نفسه حالة حسنة، وإنما أراد من يغدر به من المشائخ. ثم إن أبا القاسم انتبه ذات مرة من القائلة فقام منتحيا عن الحي /136/

(1) كذا في الأصل وفي النص المترجم، وفي طبقات الدرجيني: سحنون.

١٣٤ / ٢١٠