كتاب سير الأئمة وأخبارهم لأبي زكرياء يحيى بن أبي بكر - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٣٧ليتهيأ للصلاة، وقد أخذ كل واحد من التلامذة في جهته يشتغلون في وظائف الصلاة، فنظر الرجل النكاري إلى أبي القاسم منفردا عن الناس مبتعدا عن الحي، ولم يكن معه أحد، فنظر إلى رماح التلامذة مركوزة بحانب خص فتيممها وأخذ منها رمحا ولم يشعر به الشيخ فتبعه. فلما بعد الشيخ عن الحي، قصد نحوه فطعنه من خلفه، فأخذ الرمح على جانب الشيخ وخرج الرمح من ثيابه أمامه، وكان الشيخ لابسا محشوة، فأخطأ الرمح جسد الشيخ فصادف محشوته بحمد الله، فقامت على الرجل الصيحة، فابتدره الناس من كل جانب فأخذوه، فصاروا يجرونه ويسحبونه إلى المشائخ ولم يريدوا أن يحدثوا فيه حدثا إلا عن رأي المشائخ، فقال لهم رجل: امهلوني حتى أسأل المشائخ. قال: فتوجه نحوهم يريدهم، فلما كان ببعض الطريق، تربص قليلا مقدار ما يصل فيه إلى المشائخ، فرجع إليهم فقال لهم: يقول لكم المشائخ اقتلوه، ولم يرى شيخا فقتلوه. وبلغنا أن رجلا من نفوسة نظر إلى أبي القاسم راكبا على دابة عليها سرج محلاة بالذهب بزينة حسنة، فقال له: يا شيخ، ليس هذا من سيرة أهل الدعوة وأفعالهم، فبكى أبو القاسم رحمه الله فأتى النفوسي إلى الجبل وأخبرهم، وقال لهم: لقد كلمت أبا القاسم ووعظته حتى بكى، فقالوا: بجهلك كان يبكي!. وكان لأبي القاسم عشرون جملا وخلاخل يسافر بهم إلى القيروان، وكان بها مشهورا عظيم المنزلة، معروفا بالعلم والأدب والورع. وبلغنا أنه إذا دخل مدينة القيروان،، اضطربت المدينة كلها، من أجله بفنون العلم والسؤالات والمعضلات يدخرونها ليسألوه عنها، من المخالفين أو ممن أراد تعلم مذهبه فعظمت درجته فيها. وروي عن الشيخ أبي نوح سعيد بن زنغيل رضي الله عنه، أن أبا القاسم رحمة الله عليه، جاز برجل من الوراقين بمدينة القيروان، يقال له أبو إبراهيم المشبه، فمر به وهو يكتب تشببه الله بخلقه، فتعجب به أبو القاسم فجرى بينهما كلام كثير حتى قال له المشبه: إذ زعمت أن الله ليس بجسم ولا عرض ولا صورة، فأخبرني عمن أراد أن يبطل ربه، كيف يقول؟.
فقال له أبو القاسم رضي الله عنه: فليقل مثلما تقول!.
فانقطع الكلام بينهما. وبلغنا أن رجلا من أهل القيروان سأل أبا القاسم عن بيت من الشعر فيه لغز، كيف تنشد هذا البيت: /137/