كتاب سير الأئمة وأخبارهم لأبي زكرياء يحيى بن أبي بكر - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٤٧قال أبو نوح: فلما عرفت الغضب في وجهه، قلت: ليس في ذلك ما يثبت الإساءة لمولانا، ألا ترى أن الله جل ثناؤه يبتلي عبده المؤمن فيصبر، فيؤجر، وليس في ذلك ما يثبت لله الإساءة. قال أبو نوح: فرأيت فيه الانطلاق، وشفع في بلجين ابن زيري بن مناد بن منكوس الصنهاجي، وكلمه أن يحل وثاقي ويعفو عني. فلما أجابه إلى ذلك، خرج أبو نوح، وأرسل له أبو تميم ثيابا نفيسة، وأمر أن ينزع عنه التي عليه والأطمار. فلما وصلته رسله نزعوا ما عليه وحلوا وثاقه ونحوا عليه الأطمار والزنانير وأرادوا أخذها، فأبى عليهم أبو نوح، فقال لهم: متاع مولانا كله حسن، فبلغه أبو تميم ذلك عني فزاد في تكريمي. قال، قال أبو نوح: وكان يرسل إلي مرة فمرة، ثم إنه أرسل إلي ذات مرة فأتيته، فدخلت عليه وسلمت، فوقفت بين يديه، فسألني عن أبي خزر رضي الله عنه وقال: أين صاحبك، يغلي، فقلت له: لا أدري. فقال لي: لو كان صاحبك بغانة لجلبته دراهمنا، قال: فقال لي: أتخشى أمره؟، فقلت: إن كان السلطان أعطى الأمان للناس في بلادهم، فلا نخشى أمره، فإن لم يعطهم الأمان فإنه يخشى أمره، فرآني نصحته فبعث في أقاليم الوهبية كلها بالأمان ولا يهيج أحد منهم. وحدث أبو الربيع سليمان بن يخلف رضي الله عنه عن أبي يعقوب بن يوسف بن النفاث رضي الله عنه أنه قال: إن أهل الدعوة في أمانه إلى يومنا هذا، وحدث إبراهيم بن إبراهيم أن أبا نوح رضي الله عنه دخل ذات مرة على أبي تميم، فأمر أبو تميم خازن بيوت أمواله أن يملأ كم الشيخ مالا، دراهم ودنانير. قال أبو نوح: فدخلت مع الخازن إلى بيت المال، فكان يدفع لي وأرخي كمي، فلا يكاد يمتليء كمي، فيقول الخازن لي: ألم يمتليء كمك؟، فقلت: لم يمتليء ولكنه امتلأ حتى كدت لا أنهض به، ثم قلت له: إن كمي قد امتلأ. قال: فخرج أبو نوح ودخل الخازن إلى أبي تميم، وقد امتثل ما أمره به لأبي نوح، فقال له أبو تميم: املأت كم أبي نوح سعيد!، فقال له الخازن: نعم. قال: فأمر أبو تميم رجلا أن يخرج إلى باب القصر لينظر ما يفعل أبو نوح بالأموال. فلما خرج أبو نوح إلى باب القصر، وجد الناس أفواجا، فصار يدخل يده في كمه فيملأها ويعطي يمينا وشمالا، حتى لم يبق في كمه إلا مقدار مقبض اليد، فرجع الرسول إلى أبي تميم، فأخبره خبر أبي نوح، فقال: إن /147/