كتاب سير الأئمة وأخبارهم لأبي زكرياء يحيى بن أبي بكر - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٤٦كلها مخالفة لحروف الكتاب الأول، فاتفقوا كلهم على أن الكتاب الأول ليس من خط أبي نوح، إلا رجلا واحدا كان أحذقهم(1) في الخط، فقال: إن الرجل الذي كتب الكتابين واحد، ولكنه بدل الخط في الثاني. فقالوا له: لو كان ما قلت صحيحا، لوجدنا حرفا واحدا قد اشتبه ولا يقدر على تبديل جميع الحروف، وإنما يقدر الكاتب على تبديل سطر واحد أو سطرين، أما البطاقة كلها فلا. ثم إن أبا تميم بعث إلى أبي نوح فجاءه في قيوده وزنانيره، فلما وصل إلى أبي تميم، وجده في قبة حمراء على سرير قوائمه من عظام الفيل، أحمر وعليه ثياب حمراء وعلى رأسه شاشية حمراء، وحول قبته رجال بأيديهم الحراب، فلما نظر الشيخ أبو نوح إلى أمتعة أبي تميم كلها، وقد احمرت، هاله ذلك وكاد يتيقن بالموت، فدخل عليه وسلم، وأطرق أبو تميم برأسه مليا ثم رفعه، فقال: يا سعيد، أحقا كاتبتم فينا بني أمية؟.
قال أبو نوح: فقلت له يا سيدي، إن كان لا ترفع لي حجة ويقبل لي عذر، فمولانا فاعل ما أراد.
قال أبو تميم: بل ترفع لك حجة ويقبل لك عذر، فاحتج على نفسك واعتذر.
وكان أبو نوح فصيح اللسان، كثير البيان، فقال: كيف نكاتب بني أمية وقد علمت ما بيننا وبينهم، يوم الدار ويوم الجمل، ويوم صفين، وهم الشجرة الملعونة التي ذكرها الله في القرآن؟. فلما سمع أبو تميم ذلك منه سره وتبسم، وانطلق وجهه وسره ما ذكر في بني أمية. قال: قال نوح، فدفع إلي الكتاب، فقال لي: أنت الذي كتبت هذا الكتاب؟. فحلفت له وقلت: والله ما هذا كتاب كتبته بيدي، واختلف من يمينه، فطائفة قالوا: لم يحلف ولكنه جعل الميم زائدة، وقال بعضهم: أنه من البربر لا يفطن لذلك ولا يفهمه، قال أبو تميم: نعم، ما هذا بخطك؟ إلا أن غيرته، يا سعيد، أرأيت لو صادفتني يوما باغاي، أكنت تتركني إلى غيرك؟. فقال له أبو نوح: لا أتركك إلى غيري، فقال لي: هذا هو أجمل ما قد أقررت به!، فعلم أبو نوح أنه قد صدقه في كل ما قال له. ثم قال أبو تميم: يا سعيد، إن القيود التي برجلك إنما دخلت فيهما بالعلم ولا ينزعان إلا بالعلم. فقال أبو نوح: عسى الله أن يجعل ذلك كفارة لذنوبي، قال: فغضب أبو تميم عند ذلك، وقال: فنحن إذا لك مسيئون! عسى الله أن يجعله لك متصلا بعذاب الآخرة. /146/
(1) في الأصل: أحرى.