كتاب سِيَر الأئمة وأخبارهم يحيى بن أبي بكر بن سعيد اليهراسني الوارجلاني أبو زكرياء

كتاب سير الأئمة وأخبارهم لأبي زكرياء يحيى بن أبي بكر - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٤٩

مناظرات أبي نوح رضي الله عنه بين يدي أبي تميم

وبلغنا أن أبا تميم كان يرسل إلى أبي نوح رضي الله عنه، يناظر بين يديه المخالفين، وبلغنا أنه أرسل إليه ذات مرة، فقال له: يا سعيد، سل ما بدا لك من السؤال. قال أبو نوح: فبدأت، فقلت: ما الدليل على أن لهذه الصنعة صانعا؟.

قال: فلبث جلساؤه حينا ساكتين، ثم أخذوا في الجواب، فقالوا أقاويل كثيرة، فما وافقوا فيها بجواب قاطع.

فقال لهم أبو تميم: أجيبوا ابن زنغيل من حيث يفهم، وذلك لأنه لم يرض بأجوبتهم.

قال أبو نوح: فرأيت في وجه أبي تميم إرادة الجواب وما أراد أن يجيب، ولم أسأله من كثرة أدبه وحسن سيرته، فقلت: إن رأى مولانا أن يتفضل على رعيته بالجواب، فليفعل، فرأيت في وجهه تبسما وانطلاقا، فقال: يا سعيد يقال لهذا السائل: اشرح سؤالك لكي تستحق جوابا، وفي شرح سؤاله جواب لقوله، وقوله: صنعة دليل على صانع.

قال أبو نوح رضي الله عنه: فأخبرت بهذا الجواب شيخنا أبا خزر رضي الله عنه، فتعجب به وقال: هذا جواب قاطع. وذلك أيضا أنه أرسل إليه أبو تميم ذات مرة، قال: قال له أبو نوح، فقدمت عليه فوجدته ورجل من المعتزلة واقف بين يديه، فأخذ في مسألة الأسماء، فنصت إليه وفرغت ذهني إلى كلامه حتى عثر عثرة نجا منها، بحمد الله، فقال: إن أسماء الله تعالى متغايرة كزيد وعمرو. فأقبلت الله بالكلام، فقلت له: إلى من كلامك إلي أو إلى مولانا؟.

فقال له السلطان: كلامك إليه، فقلت له: أليس قد قلت زيد غير عمرو؟.

قال: بلى.

قال: فقلت له: أليس لهما مغير غيرهما، فجعل زيدا غير عمرو.

فقال لي: نعم!.

فقلت له: وكذلك الله والرحمن، هذا غير هذا، ولهما مغير غيرهما، فجعل أحدهما غير الآخر.

قال: فقطع السلطان جوابه، فقال: هذا هو الكفر بعينه فخرجنا.

ثم إن أبا تميم أطال البحث عن أبي خزر رضي الله عنه حتى علم أنه بجبل نفوسة، فأرسل أبو تميم إليه بالأمان، وكان قبل يكاتب نفوسة في أمره، ويراسلهم في شأنه. فلما سمع أبو خزر رضي الله عنه بالأمان، خرج من جبل نفوسة متوجها إلى أبي تميم بالقيروان، وكان القائم على شأن أبي خزر رضي الله /149/

١٤٧ / ٢١٠