كتاب سِيَر الأئمة وأخبارهم يحيى بن أبي بكر بن سعيد اليهراسني الوارجلاني أبو زكرياء

كتاب سير الأئمة وأخبارهم لأبي زكرياء يحيى بن أبي بكر - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٦٥

أخبار أبي مسور سيجا بن يوجين اليهرساني ض

كان أول من اشتهر بالعلم من بين يهراسن، وكان تعلمه بجبل نفوسة، وإنما أخذ العلم عن أبي معروف وأبي زكرياء يحي بن يونس السدراتي. وفي ابتداء تعلمه لم يكن بيده مال، وكان فقيرا(1) وربما أخذ شعيرا فيعطيه لمن يقليه له من الصبيان، فإن لم يجد من يقلبه له، وضعه في طرف ثوبه فيرشه بالماء حتى يبتل فيقتات به، وكان يتنحى إلى جربة فيأكل فيها شعيره وقد استمر ذلك برهة من الدهر لم يفطن به أحد فإذا جاء إلى مجلس المشائخ يقعد في طرف الحلقة، فإذا صار أهل الحلقة يقومون يتقدم إلى الإمام حتى لا يبقى أحد بين يديه، فيقعد بين يدي الشيخ، فيسأله ما دام قاعدا. وكان حاله كذلك إلى أن قعد ذات يوم في المجلس، فلما أراد الشيخ القيام قام أبو مسور، فانحل العقد فانصب الشعير من طرف ثوبه على الحصير. قال الشيخ: إنكم معشر نفوسة لا ترفعون إلا من رفعه الله. قال: فابتدرت المشائخ فردوه إلى رجل منهم يحسن القيام به ويتكفل بأموره، فحسن حال أبي مسور وتفرغ لطلبه وعزمه حتى أدرك من العلم ما قدره الله له. فلما أراد المسير إلى أهله، اجتهد في الكتب يكتبها، فنظر إليه رجل فقال له: إنها تجارة بائرة يا سيجا. ثم إنه تزوج في جبل نفوسة من زوجته التي ولدت له ابنه أبا زكرياء، فيصل بن أبي مسور، وكان سبب تزوجه لتلك المرأة، أن شيخا من شيوخ نفوسة بعث أبا مسور إليها ليخطبها عليه فأتاها أبو مسور وذكر ذلك، فأشارت إليه هو أنها تريد تزوجه دون الذي أرسله. فلما أحس ذلك أبو مسور رجع إلى صاحبه، فقال له: انظر من ترسله غيري، فقال له الشيخ: لعلها تريدك، قال: فمضى الشيخ إلى المرأة فخطبها لأبي مسور فتزوجها وتقدم بها إلى جزيرة جربة. وقد كانت جربة إذ ذاك، على مذهب خلف بن السمح الانفرايسيرا، فدعاهم أبو مسور إلى دعوة الإسلام، فأجابه بعضهم. وكان رجل من زواغة يقال له خلف بن أحمد على مذهب النكار، يدعوهم إليه فمن لم يجب أبا مسور، أجاب خلف بن أحمد، وكان ذا مال كثير سخيا يمضي بإحمال الدقيق يطعم الناس لكي يرجعوا إلى مذهبه. /165/

(1) كذا في الأصل: الأولى قراءة: مقترا.

١٦٣ / ٢١٠