كتاب سير الأئمة وأخبارهم لأبي زكرياء يحيى بن أبي بكر - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٦٦فلم يبق في الجزيرة على مذهب خلف بن السمح أحد. فأقام أبو مسور بجزيرة جربة وبنى بها المسجد المعروف اليوم بالمسجد الكبير لبني يهراسن ولم يتممه، فأتمه من بعده ابنه أبو زكرياء فيصل بن أبي مسور ض. وحدث أبو الربيع سليمان بن يخلف عن أبي عبد الله محمد بن بكر رضي الله عنه، عن الشيخ أبي نوح سعيد بن زنغيل رضي الله عنه أنه كان إذا سئل عن المشهور الذي تجوز ولايته لمن يتولاه بغير شهادة الأمناء إلا بشهرته وخبر العامة، يقول: مثل أبي خزر في افريقيا، وأبي مسور في جربة، وأبي صالح جنون بن يمريان في وارجلان رضي الله عنه، ولأبي مسور رضي الله عنه ولد يقال له أبو زكرياء فيصل رضي الله عنه، فقد حوى من المآثر والمناقب والفضائل والمراتب ما لم يبلغنا عن أحد من أهل عصره. وبلغنا عن ثلاثة من المشائخ تكلموا فيه، كل واحد منهم كلمة، قال أحدهم: وهو أبو محمد عبد الله ابن مانوج رضي الله عنه، لو كان الوحي ينزل في هذا الزمان على أحد، لاستحق أبو زكرياء أن ينزل عليه، وقال الآخر، وهو أبو عمران موسى بن زكرياء رضي الله عنه لو كانت إمامة المسلمين قائمة في هذا الزمان، لاستحقها أبو زكرياء. وقال الثالث: وهو أبو عبد الله محمد بن بكم رضي الله عنه لو مسكت خصال الخير والبر كلها بيدك، فطلبت أن تزيده منها خصلة واحدة ليست فيه، لما وجدتها، وهؤلاء المشائخ تكلموا على افتراق الأمكنة وبعد المواضع. وكان أبو مسور رضي الله عنه أسن من أبي صالح بعشر سنين، وأبو صالح أسن من أبي زكرياء بعشر سنين. وكان تعليم أبي زكرياء رضي الله عنه بإفريقيا عند الشيخ أبي خزر ض. وحدث غير واحد من أصحابنا أن أبا زكرياء أرسله أبوه إلى نفزاوة ليمتار له التمر من بني يزمرتن في سنة ممحلة(1) ذات جذب وقحط. قال: فتوجه أبو زكرياء إلى نفزاوة، فلما وصلها اجتمع أهلها من بني يزمرتن ومن بها من أهل الدعوة، فعبوا للشيخ أحماله وأقوروها تمرا، فأنفذها أبو زكرياء رضي الله عنه، إلى أبيه وأنفذ أيضا ما جاء به من الدنانير التي أرسله بها أبوه لشراء التمر، ثم عمد إلى عمامته، فنزعها وباعها وأمسك ثمنها لحوائجه. وتوجه نحو الشيخ أبي خزر رضي الله عنه فمكث عنده ما شاء الله، فلما ذكر الشيخ أبو خزر الطلب بحق الشيخ أبي القاسم رضي الله عنه، /166/
(1) في الأصل: محيلة.