كتاب سير الأئمة وأخبارهم لأبي زكرياء يحيى بن أبي بكر - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٧١يونس، وكان يقطعهم فوجا فوجا، وقد طال مكثهم خلف الرفقة، فجاز برجل قد أدركه العياء خلف الرفقة وتورمت قدماه وانتفخت رجلاه، ومعه صرة دنانير. فلما نظر إلى الشيخ أعجبته هيئته، فقال له: إن معي صرة دنانير وقد أشرفت على الهلاك فدونكها، فخذها فأنت أولى بها من غيرك، فأبى الشيخ أخذها، فألح عليه الرجل، فقال له: خذها، فأنت أولى بها من غيرك من هؤلاء الصامدة؟ * فأخذها منه، وتوجه نحو الرفقة حتى وصلها، فخلف الرجل خلفه، ثم إن أهل الرفقة نزلوا وأخذوا الرجل في أثرهم، تارة يمشي وتارة يستريح فبات فيها واستراح. فلما كان الغد، ارتحل المسافرون وارتحل معهم، ووجد من نفسه قوة وتذكرت نفسه صرته، فصار ينظر في وجوه الرجال ويتكشف عن خبر صرته بين المسافرين، ويسأل ويبحث وينظر، فنظر إليه الشيخ أبي القاسم رضي الله عنه وقد تغير وجهه، فقال له: ما الذي أصابك؟، فقال الرجل: قصتي كذا وكذا، فقال له أبو القاسم: أعطيتها له أو أخذها منك بغضب؟، فقال الرجل: بل أعطيتها له. فقال أبو القاسم: أتعقله؟ فقال له: لست أعقله، إلا أنه وسيم طويل مثلك، فقال له: أتعقل الصرة؟. فلما نظر إليها لم يتمالك، ودفعها إليه، فصاح وقال: والله ما هو إلا مسلم، والله ما هو إلا مسلم، فكررها مرارا، فصار يسعى في رجلان المسافرين، ويقول: هذا ما فعله، هذا ما فعله!، والله ما هو إلا مسلم!./171/