كتاب سير الأئمة وأخبارهم لأبي زكرياء يحيى بن أبي بكر - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٧٠يحي أخا أبي بكر بن يحي، وكان يخدمه ويقوم عليه ويستفيد منه. وقال أبو زكرياء أن سعيدا لا يبادلهم، يريد ابنيه وابن أخته أبا بكر، في مسيرهم إلى أبي عبد الله محمد ابن بكر رضي الله عنه فرأى قعود سعيد عنده. وكان أبو زكرياء قد تعود الصلاة في موضع معلوم، فإذا طلع الفجر، نظروا إلى الموضع الذي يصلي فيه، فإذا هو قد ابتل بالدموع، كأنما توضأ فيه أحد من الناس. وبلغنا أن الليلة التي مات فيها أبو زكرياء رضي الله عنه، وهي في رمضان وكان ابنه زكرياء قدام الناس في قيام رمضان، فسمعوا صوت أمه وهي تقول: مات سيدي، أبو زكرياء فبهت الناس وتحيروا، وذهب كل منهم في وجهته فانتقضت عليهم الصلاة، إلا زكرياء ابنه، فإنه أقبل على صلاته حتى أتمها. وبلغنا أن عامل المسودة سأل عن أبي زكرياء، فقيل له: مات، فقال: امضوا بي إلى قبره، فمضوا به إلى قبره، فقال: عاش حميدا ومات فقيدا، اللهم اخلف على جربة بعده، وقال أيضا: مات امرؤ علم أنه سيموت. وحدث زكرياء ابنه فقال: إنه ما مثل أبي زكرياء في آخر عمره، إلا كمثل دابة مثقلة، رأت موضعا تحط فيه ثقلهان فأسرعت إليه وقال أيضا: مثل موضع يركع فيه أبو زكرياء إلا كموضع توضأ فيه إنسان. وبلغنا أن زكرياء وأخاه يونس رضي الله عنه توجها إلى الحج، فلما كانا ببعض الطريق وقد أضر بهما السير، وأنهكهما السفر، نام زكرياء وتخلف عن الرفقة. فلما انتبه من منامه دعا الله بهذا الدعاء، فقال: يا صاحب كمل عريب، ويا مؤنس كل وحيد، ويا قريبا غير بعيد، اجعل لي من سفري هذا فرجا ومخرجا، فرفع رأسه ونظر أمامه إلى عمود من نور ساطع في الهواء، فتيممه ومشى حتى وصل إلى الرفقة، فوجد أصحابه متحيرين من أجله. وبلغنا أنهم رقدوا ذات ليلة في طريقهم ذلك، وقد اشتتمل زكرياء سيوفهم، إذ غشيهم بعض السلابة، فانتبهوا، فصاح يونس إلى أخيه: اعطني السيف يا أخي مرتين، فمد أبو القاسم يده بحيال رجلي أخيه زكرياء، فأمكنه الله من قائم السيف، فضرب به واحدا من السلابة فقده نصفين، فلم يجاوزه واحد منهم. وبلغنا أن أبا القاسم يونس رضي الله عنه نام ذات ليلة بطريقهم ذلك، إذ تنبه، وقد جاوزتهم الرفقة ثم إن جماعة من أهل الرفقة مضوا عنه قليلا، فرقدوافلما انتبهوا أخذوا في أثر الرفقة حتى مر بهم أبو القاسم /170/