كتاب سِيَر الأئمة وأخبارهم يحيى بن أبي بكر بن سعيد اليهراسني الوارجلاني أبو زكرياء

كتاب سير الأئمة وأخبارهم لأبي زكرياء يحيى بن أبي بكر - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢

فلما بلغت هذه الأحداث عليا بعث إليهم قائلا: ادفعوا إلينا قتلة إخواننا منكم اقتلهم بهم، ثم إنا تارككم وكاف عليكم. ولكن الخوارج ردوا عليه قائلين أنهم متضامنون في الأفعال التي يرتكبونها: كلنا قتلهم، وكلنا مستحل لدمائكم ودمائهم. وقد حاول عدد من الشخصيات ممن كانوا يحرصون على حقن دماء المسلمين، وفي مقدمتهم قيس بن سعد وأبو أيوب الأنصاري القيام بمساعي للصلح ولرأب الصدع، وناشدوا الخوارج العودة إلى صفوف علي لمواجهة العدو المشترك في الشام، ولكن هذه الجهود باءت بالفشل. وفي نفس الوقت، كان علي بن أبي طالب يواجه ضغوطا قوية في صفوفه حيث ارتفعت أصوات قوية من أنصاره تطالبه بالعمل لتأمين مؤخرة جيشه، ولتصفية الموقف بينه وبين الخوارج، قبل أن يقدم على مواجهة جيوش الشام. وكذلك اضطر الخليفة إلى أن يتخذ عدته للقضاء على الخطر المستشري، فأعطى أبا أيوب الأنصاري راية الأمان، فنادى الخوارج قائلا إن من جاء تحت هذه الراية فهو آمن، ومن لم يقتل منكم وانصرف إلى الكوفة أو المدائن، فهو آمن. وعقب ذلك زحف علي بن أبي طالب على الخوارج 9 صفر 38هـ فيما أصبح يعرف بعد ذلك بموقعة النهروان التي قتل من بين من قتل فيها عبد الله بن وهب الراسبي، والتي أحرز فيها الخليفة الرابع نصرا مبينا، ولكنه كلفه كثيرا من التضحيات، فضلا عن أنه لم يقض نهائيا على حركة الخوارج. وهذه الحركة لم تلبث أن ظهرت من جديد على مسرح الأحداث في سلسلة من الفتن المحلية في سنة 39هـ و40هـ، قبل أن يتوج نشاطها عبد الرحمن ابن ملجم باغتيال علي بن أبي طالب. وفي العصر التالي، واجهت الدولة الأموية ثورات هنا وهنالك قام بها الخوارج، ولا سيما في الكوفة والبصرة. وفي غضون العشرين سنة التالية، زاد من حدة شوكة الشراة كما يسمى الخوارج أيضا، بازدياد عدد كبار رجالهم الذين سقطوا في الميدان ويعتبرونهم شهداء. وأهم هذه الثورات، بدون شك هي ثورة مرداس بن أبي حدير، التميمي، أبي بلال التي لم يتمكن جيش عباد بن علقمة المازني من قمعها إلا بالغدر، حيث أحاط بأبي بلال وأصحابه، وهم في الصلاة وقتلهم عن آخرهم، وهو حدث سيترك جرحا في نفوس أصحاب المذهب لا يندمل مع مرور القرون./2/

٢ / ٢١٠