كتاب سير الأئمة وأخبارهم لأبي زكرياء يحيى بن أبي بكر - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣وقد زادت شوكة الخوارج حدة وقويت جموعهم واتسعت حركتهم، خصوصا أثناء الاضطرابات التي أعقبت وفاة يزيد بن معاوية، فكانت هذه القوة الثالثة، إلى جانب ضغط جيوش الأمويين بقيادة الحجاج الثقفي، من العوامل التي عجلت بنهاية خلافة عبد الله بن الزبير التي دامت تسع سنين (64 - 73). فقد كانت عدواة الشراة لهذا الخليفة الشجاع لا تقل حدة عن شعور العداء الذي يحملونه لبني أمية الذين نجحوا في إبقائهم بعيدا عن معاقلهم في الشام، وفي هذه الأثناء، تفتت حركة الخوارج إلى عدة فرق، يقول المؤرخون أنها تجاوزت عشرين فرقة لا تجمع بينهم سوى نظريتين: نظرية الخلافة التي لم يعودوا يشترطون أن تكون من قريش، ونظرية اعتبار العمل جزء من الإيمان. وقد اشتهر من هذه الفرق، خصوصا: الأزارقة (أتباع نافع بن الأزرق) والصفرية الذين لا يختلفون كثيرا عن الأزارقة، من حيث أنهم جميعا يكفرون المسلمين ما عداهم، والاباضية (نسبة إلى عبد الله بن اباض)، زعيم الطائفة الذين تتكون منهم الأغلبية الساحقة من الخوارج في المغرب. والإباضية طائفة تمتاز بالاعتدال في نظرتها إلى مخالفيها، حيث أنهم لا يحكمون بتكفيرهم، بل إنهم يعتبرون التزاوج والميراث مع غيرهم من المسلمين حلالا، وهم لا يستبيحون قتل غير الخوارج من المسلمين إلا في حاله إعلان الحرب (عكس الأزارقة). خرج عبد الله بن اباض المري التميمي عن المتطرفين من الخوارج باتخاذه موقفا يختلف عن موقفهم اتجاه أهل التوحيد. وبعد مقتل أبي بلال الذي قاد ثورة سنة 61هـ، وقتل فيها تسلم زمام رئاسة الطائفة عبد الله بن اباض الذي وصفه الشماخي بأنه إمام التحقيق والعمدة. وقد كان عبد الله يستم بحصافة وبعد نظر سياسي سيضمن لطائفته فترة من السلام والاستقرار هي في أشد الحاجة إليها. فإن الرجل لم يقف عند حد تناسي الماضي الدامي وعداء الخوارج المستحكم للأمويين، بل إن علاقة متينة قامت بينه وبين عبد الملك بن مروان (26 - 86هـ) سمحت له بأن يقوم بدور المستشار لهذا الخليفة. وسواء أكان هذا التقارب قد وقع بوحي من أكبر تلامذه عبد الله وأنجبهم جابر بن زيد أم أن عبد الله بن إباض هو صاحب هذه الخطة السياسية، فإن من المؤكد أن هذا الموقف لا يمكن أن يوصف بالتقية التي وصف بها موقف أبي نوح سعيد بن زنغيل وأبي القاسم يزيد بن مخلد من /3/