كتاب سير الأئمة وأخبارهم لأبي زكرياء يحيى بن أبي بكر - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢١وأكثر من ذلك، فإن الكتاب لا يعطينا سوى صورة غامضة عن تيهرت في أيامها الأخيرة، قبل أن يدمرها العبيديون. والكتاب لا يذكر شيئا عن علاقات تيهرت بالخلافة الأموية في الأندلس، تلك العلاقات التي كانت نتيجة لظهور قوة العبيديين ولرغبة قرطبة في إقامة حواجز بينها وبينهم في أبعد نقطة ممكنة. ومن جهة أخرى، أهمل المؤلف كلية تاريخ الأغالبة، وما شهدته دولتهم من الثورات في القارة وحروبهم في صقلية وإنما يذكرهم لأول مرة لدى مرور جيوشهم بجبل نفوسة في طريقهم إلى تيهرت، حيث دخلوا في معركة حاسمة في تاريخ الإباضية مانو. بل إن أبا زكرياء لم يتعرض في روايته لافتتاح أبي عبد الله للجنوب التونسي، وخصوصا لقسطيلية وقفصة، وهما معقلان إباضيان من الدرجة الأولى. تلك وغيرها فجوات تستفلت أنظار الدارس المدقق لكتاب السير، وليس من السهل تفسيرها، اللهم إلا إذا راعينا أن انسحاب الإباضيين إلى الجنوب واحتلال العبيديين لكثير من مراكز الإشعاع لبلدهم قد حرمهم من مكتباتهم ولاسيما، مكتبة المعصومة بتيهرت التي قيل أنها أحرقت واضطر علماءهم إلى اجترار الرواية الشفهية التي عملوا بها لتسجيل الأحداث التي نقلتها إليهم واعتمدوا عليها دون سواها، وهذا الاعتبار يفسر لنا أيضا ظاهرة أخرى في سير أبي زكرياء وفيما كتب بعده من السير الإباضية، وهي خلوها من تواريخ ميلاد المترجم له وتاريخ وفاته، ومن التواريخ بصفة عامة، وخلوها كذلك، من الحقائق المجردة، ومن تسلسل أنساب المترجم لهم إلى ما فوق الأب والجد، وعدم إيرادها أية مراجع تاريخية لغير الإباضيين. ومهما يكن من أمر، يجب ألا يغيب عن أذهاننا أن تاريخ أبي زكرياء إنما هو تاريخ إباضي ديني في المكان الأول، يرتكز على سير العلماء والأئمة الذين يقتصر على إيراد الحوادث التي وقعت لهم أو شاركوا فيها، دون أن يهتم بسياقها التاريخي العام في المغرب، ونحن يجب أن نأخذه كما هو ونثني على منهجية صاحبه وعلى دقته ونزاهته. الجزائر في 8 إبريل 1977، اسماعيل العربي. /21/