كتاب سِيَر الأئمة وأخبارهم يحيى بن أبي بكر بن سعيد اليهراسني الوارجلاني أبو زكرياء

كتاب سير الأئمة وأخبارهم لأبي زكرياء يحيى بن أبي بكر - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢٠

يزيد بن مخلد، الإمامين الإباضيين اللذين قادا ثورة فاشلة ضده، وقد بلغ به الأمر في حرصه على إرضائهما وإرضاء أتباعهما أنه عرض عليهما إعادة ملك تيهرت إلى الطائفة الإباضية، وكذلك يعرض علينا المؤلف بسخاء تفاصيل ما لقيه أبو نوح في بلاط القيروان من الرعاية والكرم والتقدير لعلمه، مما يدل على نزاهة هذه الرواية وبعدها عن التعصب والحزازت التاريخية. صحيح أن رواية أبي زكرياء عن عبيد الله المهدي وعن أبي عبد الله الداعي تختلف في بعض التفاصيل عن رواية بقية المؤرخين ومثال ذلك ما يتصل بإقامته في وارجلان وفي سجلماسة وكون اليسع بن مدرار قد عينه وزيرا في دولته، كما أننا لا نفهم إلحاحه على تسمية أبي عبد الله الداعي باسم أبي محمد الحجاني، هل كان ذلك جهلا بهذا الإسم اللامع؟. ولكن هذا الاختلاف ينطوي على عناصر جديدة توسع آفاق النظرة التقليدية إلى بداية عهد العبيديين، ونحن لا نغالي إذا قلنا أن الباحث الذي يريد رسم خريطة تبرز مسيرة عبيد الله من الشام عبر مصر والجنوب التونسي وبلاد كتامه ووارجلان إلى سجلماسة، يحتاج إلى أن يدرس بعناية رواية أبي زكرياء. وكذلك نرى أن الباحث الذي يدرس ثورة أبي يزيد صاحب الحمار وشخصية هذا الرجل لا يمكنه أن يستوفي البحث حقه إذا أهمل العناصر الجوهرية التي يقدمها أبو زكرياء، والحق أن تغطية أبي زكرياء لهذه الثورة لا تفوقها في التفاصيل سوى رواية ابن الأثير. وأما ما ذكره أبو زكرياء عن الأئمة الرستميين، فهو بالتأكيد، أدق وأغنى ما وصل إلينا من المعلومات عن هذه الدولة، وكتاب السير سيظل المرجع الأول والأخير عنها. ولكن هذا لا يعني أن الكتاب يخلو من فجوات هنا وهنالك، فإن القاريء مثلا، سيندهش حين يلاحظ أن أبا زكرياء لا يذكر شيئا عن دور ورفجومة التي كانت تناصر أبا حاتم عندما نشب القتال بينه وبين يزيد بن حاتم، بعدما تحولت هذه القبيلة من موقف العداء الذي لا هوادة فيه للخوارج منذ بضعة أعوام إلى موقف الحليف والنصير. ومن الغريب كذلك أن الكاتب الذي يقدم إلينا صفحات ثمينة عن العبيديين في الشرق، لا يذكر قليلا أو كثيرا عن دولة الأدارسة ولا عن علاقات هذه الدولة بالرستميين، الذين كانت تتعايش معهم في سلم ووئام، وهذا الصمت يحيرنا، خصوصا إذا اعتبرنا أن الأدارسة كانوا، مثل الرستميين وبني مدرار في سجلماسة، جميعا يقاومون عدوا مشتركا غزا أراضيهم وشتت شمل أسرهم الحاكمة. /20/

٢٠ / ٢١٠